ورَأْى آخر يقول: {مِّنْ أَثَرِ الرسول} [طه: 96] الرسول كما نعلم هو المبلِّغ لشرع الله المباشر للمبلّغ ، أما جبريل فهو رسول للرسول ، ولم يَرَه أحد فأُطلِقت الرسول على حامل المنهج إلى المتكلّم به ، لكنها قد تُطلق ويُراد بها التهكّم ، كما جاء في قوله تعالى: {هُمُ الذين يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله} [المنافقون: 7] فيقولون: رسول الله تهكماً لا إيماناً بها .
وكذلك في قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق} [الفرقان: 7] .
إذن: قد يُرَاد بها التهكّم .
لكن ، ما المراد بأثر الرسول؟ الرسول جاء لِيُبلِّغ شرعاً من الله ، وهذا هو أثره الذي يبقى من بعده . فيكون المعنى: قبضتُ قبضة من شرع الرسول ، قبضة من قمته ، وهي مسألة الإله الواحد الأحد المعبود ، لا صنمَ ولا خلافه .
وقوله تعالى: {فَنَبَذْتُهَا} [طه: 96] أي: أبعدتُها وطرحتها عن مُخيِّلتي ، ثم تركتُ لنفسي العنان في أن تفكر فيما وراء هذا .
بدليل أنه قال بعدها {وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 96] أي: زيَّنتها لي ، وألجأتني إلى معصية . فلا يقال: سوَّلَتْ لي نفسي الطاعة ، إنما المعصية وهي أن يأخذ شيئاً من أثر الرسول ووَحْيه الذي جاء به من الله ، ثم يطرحه عن منهجه ويُبعده عن فِكْره ، ثم يسير بِمَحْض اختياره .
ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ فاذهب فَإِنَّ لَكَ}
كان ردّ موسى عليه السلام على هذه الفعْلة من السامري: جزاؤك أن تذهب ، ويكون قولك الملازم لك {لاَ مِسَاسَ} [طه: 97] والمِسَاس أي: المسّ . المعنى يحتمل: لا مساس مِنّي لأحد ، أو لا مساسَ من أحد لي .
ذلك لأن الذين يفترون الكذب ويدَّعُون أن لهم رسالة ولهم مهمة الأنبياء ، حظُّهم من هذا كله أن تكون لهم سُلْطة زمنية ومكانة في قلوب الناس ، وأن يكون لهم مذهب وأتباع وأشياع .