ولو لم يكن موسى عالماً بذلك فكيف كان يخوفهم بشيء لم يعلمه. فمن لم
يكن عالماً أن زيداً أصابه خير أم شر ، كيف يقول لعمر أحذرك ما نزل بزيد ؟
ولكن يحتمل أنه سأله عن كيفية أحوالهم في القيامة فقال: لا علم لي بذلك إنما
يعلمه الله والله أعلم .
140 -قال في قوله تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) :
"عن علي بن أبي طالب: أن المؤمن إذا قبض الملك روحه انتهى به إلى السماء وقال: يا رب"
عبدك فلان قبضناه فيقول: ارجعوا فإني وَعدته (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) .
قلت: لعل هذا النقل غير صحيح عنه ؛ لأن روح المؤمن إذا انتهى بها إلى
السماء لا يقال له: ارجعوا لحديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قال:"إن الميت"
تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا اخرجي أيتها النفس المطمئنة. حتى
يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها ، فيقولون: من هذا ؟ قالوا: فلان ، فيقال
مرحباً بالنفس الطيبة ادخلي حميدة ، حتى يَنتهي إلى السماء السابعة...)
الحديث . ولأن الروح غير مخلوقة من التراب فكيف يقول وَعَدْتهُ: (منها خلقناهم) وإنما الجسد هو المخلوق من التراب ، وذلك لا يُنتهَى به إلى السماء
بل يكون مدفوناً في التراب ؟ ولأن الروح لا ترَدُّ إلى القبر ؛ لأنه لو رُد إلى القبر
لكان اليت حياً في القبر وهو محال (1) ؛ بل يُصْعَد به إلى السماء السابعة إن كان
مؤمناً ، أو تحت الأرضين إن كان كافراً .
141 -قال في قوله تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) :
"لا تَنْظُرْ إلى ما أعطيناهم أصنافاً من نعيم الدنيا"
قلت: إنما يكون هذا تفسيره لو قيل أزواجاً منهم أصنافاً من الكفرة ، أو هو
حال من الضمير ، والفعل واقع على (مِنهُم) فيكون المُمَتَعُ به أصنافاً أن لو
(1) بنص حديث البراء السابق يدل على أن الروح تُرد إلى الجسد ثم يسأله الملكان. وبعد ذلك يكون
المقبور في نعيم أو عذاب وهي واقعة على الروح والجسد معاَ وهذا قول كثير من العلماء.