(وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) "لَوْلَا"هنا معناها"هلا، الدالة على الحث والتحريض، ويتضمن هذا أنهم ينكرون وجود هذه الآية، وقد رد الله تعالى إنكارهم فقال: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) سمى القرآن (بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) ، وهي كتب النبيين السابقين من توراة وإنجيل وزبور، وما جاء به إبراهيم وإسماعيل وغيرهم من النبيين والصديقين، وهذه البينة هي القرآن، وكان بينتها لأنه الكتاب الخالد الباقي الذي يحمل في نفسه دليل حجيته، وهو حجة لنفسه، ولكل النبيين الذين سبقوه؛ لأنه معجزة باقية، وهو المسجل لكل المعجزات السابقة، لأنها كانت أحداثا ستنقضي بوقتها، أما القرآن فهو معجزة باقية تتحدت الأجيال كلها أن يأتوا بمثله فهو معجزة المعجزات، وهو سجلها الخالد الباقي، روي في الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما من نبي إلا أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلى وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة"وليس أتباع عيسى وموسى هم الذين سموا اليهود، وسموا أنفسهم"
النصارى، إنما هؤلاء هم الذين يؤمنون بموسى. رسولا نبيا، وبما اشتملت عليه التوراة من شرائع وتبشير برسل من بعده، وأتباع عيسى هم الذين يقولون إنه عبد لله خلقه كما يخلق البشر، وإن كان خلقه من غير الأسباب العادية لتعليم الناس في عصر كان الفلسفة فيه لَا تؤمن إلا بالأسباب والمسببات العادية، فالله تعالى يعلمهم أنه الفاعل المختار المريد، فهل الذين يدّعون أنهم أتباع موسى وعيسى يؤمنون بإيمانهم، وما جاءوا به من شرائع؛ إذن فأتباع محمد هم الكثرة، ومحمد عليه الصلاة والسلام، أكثر تابعا يوم القيامة وإنهم يكفرون بالقرآن آيةً، ويريدون آيةً غيره، كقوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) .