وخصّ الله منهم بعذاب السيف والأسر من كانوا أشداء في التكذيب والإعراض حكمة منه تعالى ، كما قال: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 33 34] .
واللِزام بكسر اللام: مصدر لاَزَم: كالخصام ، استعمل مصدراً لفعل لَزِم الثاني لقصد المبالغة في قوة المعنى كأنه حاصل من عدة ناس.
ويجوز أن يكون وزن فِعال بمعنى فاعل ، مثل لزاز في قول لبيد:
منا لزاز كريهة جذّامها...
وسِداد في قول العَرَجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا...
ليوم كريهة وسِدادِ ثَغْر
أي: لكان الإهلاك الشديد لازماً لهم.
فانتصب لزاماً على أنه خبر (كانَ) ، واسمُها ضمير راجع إلى الإهلاك المستفاد من {كم أهلكنا} (128) ، أي لكان الإهلاك الذي أُهلك مثله مَن قبلهم من القرون ، وهو الاستيصال ، لازماً لهم.
{وأجل مسمى} عطف على {كلمة} والتقدير: ولولا كلمة وأجلٌ مسمّى يقع عنده الهلاك لكان إهلاكهم لزاماً.
والمراد بالأجل: ما سيُكشف لهم من حلول العذاب: إما في الدنيا بأن حل برجال منهم وهو عذاب البطشة الكبرى يومَ بدر ؛ وإما في الآخرة وهو ما سيحل بمن ماتوا كفّاراً منهم.
وفي معناه قوله تعالى: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً} [الفرقان: 77] .
ويظهر أنه شاع في عصر الصحابة تأويل اسم اللزام أنه عذاب توعد الله به مشركي قريش.
وقيل: هو عذاب يوم بدر.
ففي"صحيح البخاري"عن ابن مسعود قال:"خمس قد مضين: الدخان ، والقمرُ ، والرّومُ ، والبطشة ، واللِزام فسوف يكون لزاماً."
يريد بذلك إبطال أن يكون اللِزام مترقباً في آخر الدنيا.
وليس في القرآن ما يحوج إلى تأويل اللِزام بهذا كما علمت.
وفرع على ذلك أمر رسول الله بالصبر على ما يقولون من التكذيب وبالوعيد لتأخير نزوله بهم.