أَيْ يَرَوْنَهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَلِيِّ أَحْوَالِهِمْ كَالسَّيِّئَاتِ وَكَذَلِكَ «الْعِصْيَانُ» التَّرْكُ وَالْمُخَالَفَةُ، فَعَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظَةِ كَيْفَمَا كَانَتْ مِنْ سَهْوٍ، أَوْ تَأْوِيلٍ، فَهِيَ مُخَالَفَةٌ وَتَرْكٌ. وَقَوْلُهُ: «غوى» أي أَنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ هِيَ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا .. «وَالْغَيُّ» الْجَهْلُ وَقِيلَ:
أَخْطَأَ مَا طَلَبَ مِنَ الْخُلُودِ إِذْ أَكَلَهَا .. وَخَابَتْ أُمْنِيَّتُهُ.
وَهَذَا يُوسُفُ عليه السلام قد ووخذ بِقَوْلِهِ لِأَحَدِ صَاحِبَيِ السِّجْنِ: «اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ» .
قِيلَ: «أُنْسِيَ يُوسُفُ ذِكْرَ اللَّهِ» .
وَقِيلَ: «أُنْسِيَ صاحبه أن يذكره لسيده الملك» .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا كَلِمَةُ يُوسُفَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ»
قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: لَمَّا قَالَ ذَلِكَ يُوسُفُ قِيلَ لَهُ: اتَّخَذْتَ مِنْ دُونِي وَكِيلًا!! .. لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ .. فَقَالَ: يَا رَبِّ أَنْسَى قَلْبِي كَثْرَةُ الْبَلْوَى [[1] ].
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «يُؤَاخَذُ الْأَنْبِيَاءُ بِمَثَاقِيلِ الذَّرِّ لِمَكَانَتِهِمْ عِنْدَهُ، وَيُجَاوِزُ عَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِهِمْ فِي أَضْعَافِ مَا أَتَوْا به
مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ.
وَقَدْ قَالَ الْمُحْتَجُّ لِلْفِرْقَةِ الْأُولَى. عَلَى سِيَاقِ مَا قُلْنَاهُ .. إِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يُؤَاخَذُونَ بِهَذَا مِمَّا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا ذَكَرْتَهُ وَحَالُهُمْ أرفع فحالهم إذن فِي هَذَا أَسْوَأُ حَالًا مِنْ غَيْرِهِمْ.
فَاعْلَمْ - أَكْرَمَكَ اللَّهُ - أَنَّا لَا نُثْبِتُ لَكَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي هَذَا عَلَى حَدِّ مُؤَاخَذَةِ غَيْرِهِمْ .. بَلْ نَقُولُ: «إِنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي دَرَجَاتِهِمْ، وَيُبْتَلُونَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ اسْتِشْعَارُهُمْ لَهُ سَبَبًا لِمَنْمَاةِ رُتَبِهِمْ كَمَا قَالَ: «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى» .