ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ...}
فما دُمْنا رجعنا من الإيمان بالبشر إلى الإيمان بخالق البشر ، فهذا رُشْدٌ في تفكيرنا لا يصح أنْ تلومنَا عليه ، ثم أوضحوا حيثية إيمانهم {لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر} [طه: 73] فالإيمان بالله سينفعنا ، وسيغفر لنا الخطايا وهي كثيرة ، وسيغفر لنا ما أكرهتنا عليه من مسألة السحر ، فقد صنعوا السحر مُكْرهين ، ومارسوه مُجْبرين ، فهو عمل لا يوافق طبيعتهم ولا تكوينهم ولا فطرتهم .
وما أكثر ما يُكْره الناس على أمور لا يرضونها ، وينفذون أوامر وهم غير مقتنعين بها ، خاصة في عصور الطُّغَاة والجبّارين ، وقد سمعنا كثيراً عن السَّجانين في المعتقلات ، فكان بعضهم تأتيه الأوامر بتعذيب فلان ، فلماذا يفعل وهو يعلم أنه بريء مظلوم ، ولا يطاوعه قلبه في تعذيبه ، فكان يدخل على المسجون ويقول له: اصرخ بأعلى صوتك ، ويُمثِّل أنه يضربه .
ثم يقولون: {والله خَيْرٌ وأبقى} [طه: 73] فأنت ستزول ، بل دنياك كلها ستزول بمَنْ جاء بعدك من الطُّغَاة ، ولن يبقى إلا الله ، وهو سبحانه يُمتِّع كل خَلْقه بالأسباب في الدنيا ، أما في الآخرة فلن يعيشوا بالأسباب . إنما بالمسبب عز وجل دون أسباب .
لذلك إذا خطر الشيء ببالك تجده بين يديك ، وهذا نعيم الآخرة ، ولن تصل إليه حضارات الدنيا مهما بلغتْ من التطور .
لذلك في قوله تعالى: {حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} [يونس: 24] ، فمهما ظَنَّ البشر أنهم قادرون على كل شيء في دُنْياهم فهم ضُعفاء لا يستطيعون الحفاظ على ما توصّلوا إليه .