إذن: اجعل الله تبارك وتعالى في بالك دائماً يكُنْ لك عِوَضاً عن فائت ، واستح أنْ يطلع عليك وأنت تعصيه . وقد ورد في الحديث القدسي:"إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم ، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟!".
ولما سُئل أحد العارفين: فيم أفنيتَ عمرك؟ قال: في أربعة أشياء: علمتُ أنِّي لا أخلو من نظر الله تعالى طَرْفة عَيْن ، فاستحييتُ أن أعصيه ، وعلمتُّ أنَّ لي رِزْقاً لا يتجاوزني وقد ضمنه الله لي فقنعتُ به ، وعلمتُ أن عليَّ ديناً لا يُؤدِّيه عنِّي غيري فاشتغلتُ به ، وعلمتُ أن لي أَجَلاً يبادرني فبادرته .
وقد شرح أحد العارفين هذه الأربع ، فقال: اجعل مراقبتك لمن لا تخلو عن نظره إليك ، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه ، واجعل خضوعك لمَنْ لا تخرج عن مُلْكه وسلطانه .
وهكذا جمعتْ هذه الأقوالُ الثمانية الدينَ كله .
ثم يُقدِّم السحرة الذين أعلنوا إيمانهم حيثيات هذا الإيمان ، فقالوا: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ...}
قوله: {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} [طه: 74] يعني مُجرِّماً عمل الجريمة ، والجريمة أنْ تكسر قانوناً من قوانين الحق عز وجل كما يفعل البشر في قوانينهم ، فيضعون عقوبة لمَنْ يخرج عن هذه القوانين ، لكن ينبغي أن تُعيِّن هذه الجريمة وتُعلَن على الناس ، فإذا ما وقع أحد في الجريمة فقد أعذر من أنذر .
إذن: لا يمكن أن تعاقب إلا بجريمة ، ولا توجد جريمة إلا بنص .
وقوله: {يَأْتِ} أي: هو الذي سيأتي رغم إجرامه ، ورغم ما ينتظره من العذاب . لكن لماذا خاطبوه بلفظ الإجرام؟ لأنه قال: {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} [طه: 71] ولم يفعلوا أكثر من أنْ قالوا كلمة الحق ، فأيُّنا إذنْ المجرم؟