لذلك تعهّدها ربها تبارك وتعالى فوفّر لها ما يُقيتها من الطعام والشراب ، فقال: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} [مريم: 24] والسريّ: هو النهر الذي يجري بالماء العَذْب الزُّلال ، وثم يعطيها الطعام المناسب لحالتها ، فيقول تعالى: {وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ}
وهكذا وفّر الحق سبحانه وتعالى لمريم مقوّمات الحياة وعناصر استبقائها ، وهي مُرتَّبة على حَسْب أهميتها للإنسان: الهواء والشراب والطعام ، والإنسان يصبر على الطعام شهراً دون أنْ يأكلَ ، ويمكنه أنْ يقتاتَ على ما هو مخزون في جسمه من غذاء ، لكنه لا يصبر على الماء أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام حسب ما في جسمه من مائية ، في حين لا يصبر على الهواء لحظة واحدة ، ويمكن أنْ يموتَ من كَتْم نفَسٍ واحد .
لذلك ، من حكمة الخالق سبحانه وتعالى أن يُملِّك الطعام كثيراً ، ويُملك الماء قليلاً ، ولا يُملِّك الهواء لأحد أبداً ، لأنك لو غضبتَ على أحد فمنعتَ عنه الهواء لمات قبل أنْ ترضى عنه ، إذن: فعناصر استبقاء الحياة مرتبة حَسْب أهميتها في حياة الإنسان ، وقد ضمنها الحق سبحانه لمريم وجعلها في متناول يدها وأغناها عن أنْ يخدمها أحد .
فالهواء موجود وهي في الخلاء ، ثم الماء فأجري تحتها نهراً عذباً زلالاً ، ثم الطعام فقال: {وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 25] وكأن الحق تبارك وتعالى يريد أنْ يُظهِر لمريم آية أخرى من آياته ، فأمرها أنْ تهزَّ جذع النخلة اليابس الذي لا يستطيع هَزَّه الرجل القويّ ، فما بالها وهي الضعيفة التي تعاني ألم الولادة ومشاقها؟