والله طالما أن الأمر كما تقولون ، والآخرة لكم {فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94] ثم قرَّر الحق سبحانه ما سيكون منهم فقال: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95] .
وقال عنهم: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ} [البقرة: 96] .
وما داما لن يتمنوا الموت ، وما داموا أحرصَ الناس على الحياة ، فلا بُدَّ أن حياتهم هذه التي يعيشونها أفضل لديهم من الحياة الأخرى .
فالمؤمن إذن لا يجوز أن يتمنى الموت هَرباً من بلاء أصابه أو اعتراض على قَدَرِ الله ، ويجوز له ذلك إنْ علم أنه صائر إلى أفضل ممّا هو فيه .
وقولها: {نَسْياً مَّنسِيّاً} [مريم: 23] النسيّ: هو الشيء التافه الذي لا يُؤْبَه به ، وهذا عادةً ما يُنْسَي لعدم أهميته ، كالرجل الذي نسى عند صاحبه علبة كبريت بها عودان اثنان ، وفي الطريق تذكرها فعاد إلى صاحبه يطلب ما نسيه ، وهكذا تمنتْ مريم أن تكون نسياً منسياً حتى لا يذكرها أحد .
ولم تكتفِ بهذا ، بل قالت: {نَسْياً مَّنسِيّاً} [مريم: 23] لأن النسيّ: الشيء التافه الذي يُنسَي في ذاته ، لكن رغم تفاهته فربما يجد مَنْ يتذكره ويعرفه ، فأكدت النسيّ بقولها (منسياً) أي: لا يذكره أحد ، ولا يفكر فيه أحد .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ}
{مِن تَحْتِهَآ} [مريم: 24] فيها قراءتان (مِنْ ، مَنْ) صحيح أن جبريل عليه السلام ما زال موجوداً معها لكنه ليس تحتها ، فدلّ ذلك على أن الذي ناداها هو الوليد {أَلاَّ تَحْزَنِي} [مريم: 24] ، وحزن مريم منشؤه الانقطاع عن الناس ، وأنها في حالة ولادة ، وليس معها مَنْ يسندها ويساعدها ، وليس معها مَنْ يَحضِر لها لوازم هذه المسألة من طعام وشراب ونحوه .