إذن: فالسيدة مريم أصبحت أمام أمر واقع وحمل ظاهر لا تستطيع إخفاءه ، ولا تقدر على ستره ، فقد قبلتْ قبل ذلك أنْ يُبشِّرها الملَك بغلام زكيٍّ ، وقبلتْ أنْ تحمل به ، فكيف بها الآن وقد تحوّل الأمر من الكلام إلى الواقع الفعلي ، وها هو الوليد في أحشائها ، وقد حان موعد ولادته؟
لابُدَّ أن ينتابها نزوع انفعالي فالأمر قد خرج عن نطاق السَّتْر والتكتّم ، فإذا بها تقول: {ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} [مريم: 23] أي: تمنتْ لو ماتت قبل أن تقف هذا الموقف العصيب ، مع أن الملك حين أخبرها من قبل بأن الله تعالى سيهَبُ لها غلاماً زكياً تعجبتْ قائلة: {أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} [مريم: 20] .
مجرد تعجُّب وانفعال هادئ ، أما وقد أصبح الأمر ولادة حقيقية فلا بُدَّ من فعل نزوعي شديد يُعبِّر عما هي فيه من حَيْرة ، لذلك تمنتْ الموتْ ، مع أن الله تعالى نهانا عن تمني الموت ، كما ورد في الحديث الشريف الذي يرشدنا إذا ضاقتْ بنا الحياة ألاَّ نتمنى الموت ، بل نقول:"اللهم أحْيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفَّني ما كانت الوفاة خيراً لي".
وقلنا: إن تمني الموت المنهيّ عنه ما كان فيه اعتراض على قَدَر الله ، وتمرد على إرادته سبحانه ، كأنْ تكره الحياة والعيش إذا ضاق بك فتتمنى الموت ، أما أن تتمنى الموت لعلمك أنك ستصبر إلى خير مما تركت فهذا أمر آخر .
وقد ورد في القرآن مسألة تمني الموت هذه في الكلام عن بني إسرائيل الذين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ، وأن الدار الآخرة لنا خالصة عند الله ، فبماذا رَدّ عليهم القرآن الكريم؟