وقولها: {أَعُوذُ} [مريم: 18] أي: ألجأ وأعتصم بالله منك ؛ لأنني أخاف أنْ تفتك بي ، أو تعتدي عليَّ وأنا ضعيفة لا حَوْلَ لي ولا قوة إلا بالله ، فأستعيذ به منك . والمؤمن هو الذي يحترم الاستعاذة بالله ويُقدِّرها ، فإنْ استعذتَ بالله أعاذك ، وإن استجرتَ بالله أجارك .
"ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم امرأة ، كانت على شيء من الحسن أثار غَيْرة نسائه ، فخشينَ أنْ تغلبهن على قلب رسول الله ، فدبَّرْنَ لها أمراً يبعدها من أمامهن ، فقُلْنَ لها وكانت غِرَّة ساذجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إذا اقترب منه إنسان أن يقول له: أعوذ بالله منك ، فما كان من المرأة إلا أنْ قالت هكذا لرسول الله عندما دخلت عليه ، فقال لها:"لقد استعذت بمعيذ ، الحقي بأهلك"."
فقول مريم: {إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} [مريم: 18] لأن المؤمن التقيّ هو الذي يخاف الله ، ويحترم الاستعاذة به ، وكأنها قالتْ: إنْ كنت تقياً فابتعد عني ، واختارت الاستعاذة بالرحمن لما عندها من الأمل إنْ لم يكُنْ تقياً مؤمناً أن يبتعد عنها رحمةً بها وبضعفها ، ولجأتْ إلى الرحمن الرحيم الذي يحميها ويحرسها منه .
{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) }
قال: {رَسُولُ رَبِّكِ} [مريم: 19] ولم يقلْ رسول الله ؛ لأن الربّ هو المتولّي للتربية الذي يُحسِنها ويصونها من الفساد ، فعطاء الربوبية عطاء ماديّ ، أما عطاء الألوهية فهو عطاء معنوي قِيَمي هو العبادة ، فأنا رسول ربك الذي يتولاَّك ويرعاك ويحرسك فلا تخافي .