ولكن الملكين هاروت وماروت حينما عَلَّمَا الإنسان السحر حذَّراه أولاً من أن يأخذ من ذلك فرصة زائدة تطغيه على بني جنسه ويظلم بها ، إنما الأمر كله اختبار ، فإن تعلَّمته فذلك لتقيَ نفسك من الشر لا لتوقعه بغيرك ، ثم إنك أيها الإنسان من الأغيار قد تضمن نفسك وقت التحمُّل ، ولكن ماذا عن وقت الاداء؟
مثلما يأتي لك إنسان ليُودِعَ عندك ألفاً من الجنيهات كأمانة ، ولكن أتظل على الأمانة ، أم أنك قد تنكر المال أصلاً حين يطالبك به صاحبه ، أو قد تمر بك أزمة مالية فتتصرف بهذا المال؟
ولذلك تجد الذكي هو مَنْ يقول لمودع هذا المال:"احفظْ عليك مالك ، لأني من الأغيار".
وتلك هي القضية الإيمانية الأصيلة في الكون كله ؛ لأن الحق سبحانه هو القائل:
{إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72]
والأمانة هي ما يكون في ذمة المؤتمن ، ولا حجة للمؤتمن عنده إلا ذمته ، ولا شهود عليه ، ولا يوجد إيصال بتلك الأمانة ، بل هي وديعة لا توثيق فيها ؛ إلا ذمة المؤتمن ، قد يقرُّ بها ، وقد يُنكرها .
وعلى ذلك فحقُّ المؤتمن عند المؤتمَن خاضعٌ لخيار المؤتمَن ؛ ولذلك وجدنا السماء والأرض والجبال قالت: يا رب لا نريد أن نُدخِلَ أنفسنا في هذه التجربة ، افعل بنا ما شئت واجعلنّا مقهورين ولا اختيار لنا ، ولا نريد تحمُّل الأمانة .
أما الإنسان فقد ميَّزه الله بالعقل ، وقدرة الاختيار بين البدائل ؛ لذلك قَبلَ الإنسان حَمْل الأمانة ، وحين جاء وقت الأداء لم يجد نفسه أميناً على الأَشياء مثلما ظَنَّ في نفسه وقت التحمُّل .