أَنَّهُ كُلَّمَا نَزَلَتْ سُورَةٌ تَدْعُو النَّاسَ أَوِ الْمُنَافِقِينَ بِبَعْضِ آيَاتِهَا إِلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ ، وَالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَيْ: نَاطِقَةٌ بِأَنْ آمِنُوا وَجَاهِدُوا اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ الطَّوْلُ: بِالْفَتْحِ يُطْلَقُ عَلَى الْغِنَى وَالثَّرْوَةِ ، وَعَلَى الْفَضْلِ وَالْمِنَّةِ ، وَهُوَ مِنْ
مَادَّةِ الطُّولِ (بِالضَّمِّ) ضِدُّ الْقِصَرِ . وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا أُولُو الْمَقْدِرَةِ عَلَى الْجِهَادِ الْمَفْرُوضِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، أَيِ: اسْتَأْذَنُوكَ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ أَيْ: دَعْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالزَّمْنَى الْعَاجِزِينَ عَنِ الْقِتَالِ ، وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ .
وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقِتَالِ - أَوْ مُحَمَّدٍ: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (47: 20 و21) وَالْآيَاتُ دَلِيلٌ عَلَى جُبْنِ الْمُنَافِقِينَ وَضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ ، وَرِضَاهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ .