ونحن حيث نحرث الأرض نهيجها ، وبدلاً من أن تكون صلبة لا يدخلها هواء ولا تتخللها أشعة الشمس ، تصير بعد الحرث مستقبلة للهواء وتتخللها أشعة الشمس ؛ فتخلصها من أي ماء راكد في داخلها ، وبذلك يتوافر للأرض الهواء اللازم لنمو جذور النبات ؛ لأن إذا وضعت الحَبّ في أرض غير محروثة ، فالزرع لا ينبت ؛ لعدم وجود الهواء الذي تتنفس منه الجذور . ولكن إذا حرثت الأرض ؛ جعلت أشعة الشمس تتخلل ما هو تحت السطح ؛ وتبخر الماء المخزون ؛ ليدخل الهواء بدلاً منه ؛ فتستطيع جذور النبات أن تنمو . إذن: فكل عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نُسمِّيه فَلاحاً . وهو مأخوذ من الأمر الحسّي ، الذي نراه كل يوم وهو الفِلاحة .
وحين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح لنا أمراً معنويّاً ، فهو سبحانه يستحضر لنا صورة محسّة من الذي نراه أمامنا ؛ حتى نستطيع أن نُقرِّب المعنى إلى الأذهان ؛ خصوصاً في الغيبيات التي لا نراها ، فإذا أراد سبحانه أن يقرِّبها إلى أذهاننا ؛ فهو يضرب لنا الأمثال بأمور حسّية . والإنسان حين يفلح الأرض ويشقها ويبذر فيها الحب ، تعطيه محصولاً وفيرا . ً وكذلك فإن كل عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نسميه فلاحاً .
وعندما يحدثنا الحق سبحانه ، فهو يعطينا المثل مما نراه كل يوم ؛ ليقرب إلى أذهاننا جزاء الصدقة والزكاة ، ومضاعفته لنا الأجرَ ، فيقول: {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ ...} [البقرة: 261]
فإذا كانت الحبة عندما تضعها في الأرض تنبت سبعمائة حبة ، وإذا كانت الأرض ، وهي مخلوقة لله ، قد أعطتك عن الشيء الواحد سبعمائة ضعف ، فكم يعطي خالق الأرض؟ وكم يضاعف؟