وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: الطُّوفَانُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَانِ لَا يُجْمَعُ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: هُوَ جَمْعٌ، وَاحِدُهَا فِي الْقِيَاسِ: الطُّوفَانَةُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو ظَبْيَانَ أَنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ طَافَ بِهِمْ، وَأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: طَافَ بِهِمْ أَمْرُ اللَّهِ يَطُوفُ طَوَفَانًا، كَمَا يُقَالُ: نَقُصَ هَذَا الشَّيْءُ يَنْقُصُ نُقْصَانًا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي طَافَ بِهِمُ الْمَطَرَ الشَّدِيدَ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتَ الذَّرِيعَ. وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمَطَرَ الشَّدِيدَ قَدْ يُسَمَّى طُوفَانًا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ عُرْفُطَةَ:
[البحر الرمل]
غَيَّرَ الْجِدَّةَ مِنْ آيَاتِهَا ... خُرُقُ الرِّيحِ وَطُوفَانُ الْمَطَرْ
وَيُرْوَى: خُرُقُ الرِّيحِ بِطُوفَانِ الْمَطَرْ وَقَوْلُ الرَّاعِي:
[البحر البسيط]
تُضْحِي إِذَا الْعِيسُ أَدْرَكْنَا نَكَائِثَهَا خَرْقَاءَ يَعْتَادُهَا الطُّوفَانُ وَالزُّؤُدُ وَقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ:
[البحر الرجز]
قَدْ مَدَّ طُوفَانٌ فَبَثَّ مَدَدَا ... شَهْرًا شَآبِيبَ وَشَهْرًا بَرَدَا
وَأَمَّا الْقُمَّلُ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ السُّوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْحِنْطَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ الدَّبَى، وَهُوَ صِغَارُ الْجَرَادِ الَّذِي لَا أَجْنِحَةَ لَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْقُمَّلُ: الْبَرَاغِيثُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ دَوَابُّ سُودٌ صِغَارٌ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّ الْقُمَّلَ عِنْدَ الْعَرَبِ: الْحَمْنَانُ، وَالْحَمْنَانُ: ضَرْبٌ مِنَ الْقِرْدَانِ وَاحِدَتُهَا: حَمْنَانَةٌ فَوْقَ الْقَمْقَامَةِ. الْقُمَّلُ جَمْعٌ وَاحِدَتُهَا قُمَّلَةٌ، وَهِيَ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْقُمَّلَ تَأْكُلُهَا الْإِبِلُ فِيمَا بَلَغَنِي، وَهِيَ الَّتِي عَنَاهَا الْأَعْشَى فِي قَوْلِهِ:
[البحر الكامل]
قَوْمٌ يُعَالِجُ قُمَّلًا أَبْنَاؤُهُمْ ... وَسَلَاسَلًا أُجُدًا وَبَابًا مُؤْصَدًا