الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) }
يقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى حِينَ قَالَ لَهُمُ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا: {أُوذِينَا} بِقَتْلِ أَبْنَائِنَا {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا}
يَقُولُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا بِرِسَالَةِ اللَّهِ إِلَيْنَا؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَقْتُلُ أَوْلَادَهُمُ الذُّكُورَ حِينَ أَظَلَّهُ زَمَانُ مُوسَى عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.
وَقَوْلُهُ: {وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}
يَقُولُ: وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا بِرِسَالَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا غُلِبَتْ سَحَرَتُهُ وَقَالَ لِلْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهِ مَا قَالَ، أَرَادَ تَجْدِيدَ الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِ أَبْنَائِهِمْ وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ قَوْمَ مُوسَى قَالُوا لِمُوسَى ذَلِكَ حِينَ خَافُوا أَنْ يُدْرِكَهُمْ فِرْعَوْنُ وَهُمْ مِنْهُ هَارِبُونَ، وَقَدْ تَرَاءَى الْجَمْعَانِ، فَـ {قَالُوا} لَهُ يَا مُوسَى {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا} كَانُوا يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَنَا وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَنَا، {وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} الْيَوْمَ يُدْرِكُنَا فِرْعَوْنُ فَيَقْتُلُنَا.
وَقَوْلُهُ: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: لَعَلَّ رَبَّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ: فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ.
{وَيَسُتَخْلِفَكُمْ}
يَقُولُ: يَجْعَلُكُمْ تَخْلُفُونَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ، لَا تَخَافُونَهُمْ وَلَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهُمْ.
{فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}
يَقُولُ: فَيَرَى رَبُّكُمْ مَا تَعْمَلُونَ بَعْدَهُمْ مِنْ مُسَارِعَتِكُمْ فِي طَاعَتِهِ وَتَثَاقُلِكُمْ عَنْهَا""