وما ذهب إليه المصنف فيه إشارة وإيحاء إلى جواز التفسير بالرأي، وهو
أمر يعارض ظاهر جملة من النصوص الواردة في التحذير من القول في القرآن بمجرد الرأي، لذلك ذكر القرطبي جملة من تلك الآثار مع تأويلات ثلة من العلماء من الصحابة وغيرهم لها، وانتهى إلى أن الراجح هو أن التحذير وارد بحق من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره، أو قال قولا يوافق فيه هواه.
بعد هذا ذكر رحمه الله شيئا من شروط التفسير بالرأي، كأن يملك الأدوات اللازمة للتفسير، وأن يكون تفسيره عن علم ونظر فيما قاله العلماء، واقتضته قوانين العربية، لا أن يتسور على كتاب الله برأيه بغير بصيرة ولا تدبر، فيضل بنفسه ويضل غيره.
ولأنه قد يفهم بعضهم أن التفسير كله موقوف على السماع فهما منهم لقوله تعالى {فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللََّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] لذلك ردّ المصنف على هذا الفهم وبين وجه الحق وعاد ليؤكد من جديد أن النهي في التفسير بالرأي محمول على وجهين:
1)أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل في طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه.
وفصّل القول في هذه المسألة تفصيلا بين فيه جميع احتمالات الرأي والميل إليه. وحذر من هذا الأمر، كما أكد على أن ذلك من دأب الباطنية لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم، وهم يعلمون أنها غير مرادة.