وإذا كانت شريعتنا الإسلامية السمحة قد منعت بعض البيوع التي لا يطال ضررها إلا شخص البائع أو المشتري فقط , كبيع حبل الحبلة , وبيع الحمل في البطن , واللبن في الضرع , وبيع ما لا يقدر على تسليمه , كالآبق والشارد , وبيع الرجل على بيع أخيه , والسوم على سومه , إذا كانت هذه البيوع ونحوها قد حرمها الشارع,ومنع منها, مع أن أثرها لا يتعدى شخص البائع أو المشتري , فما الظن إذًا بسوق يعصف بالملايين في غمضة عين , ولهذا ينبغي أن تفعّل قرارات المجامع العلمية بإنشاء سوق لا يتحكم فيه أفراد , ويكون الهدف منه دعم الاستثمار والاقتصاد على مستوى الفرد والدولة, ووضع الضمانات الكافية لمنع أسلوب حمى المضاربات التي ما إن تطل برأسها في سوق ما إلا ويكون نذيرًا بانهيارها , وأن يؤخذ ببعض المقترحات التي من شأنها أن تدفع الشركات نحو الاستثمار , لا أن تدفعها باتجاه المضاربات التي لا تسمن ولا تغني من جوع , ومن تلك المقترحات الجديرة بالنظر , والتي ذكرها أحد خبراء الاقتصاد ( في مجلة اقتصاديات في عددها الرابع والعشرين) وهي كفيلة-بإذن الله- بتنشيط الاستثمار,وعلاج حمى المضاربات:
1-أن يتم تحديد سعر السهم على أساس القيمة الدفترية للسهم مضافًا إليها نسبة مئوية على القيمة الدفترية للسهم , وتحدد هذه النسبة وفقًا لمؤشرات ربحية الشركة في الماضي والحاضر , وتتغير هذه النسبة كل أربعة أشهر , وفقًا للبيانات والمعلومات عن الشركة نفسها وعن القطاع الاقتصادي الذي تنتمي إليه هذه الشركة, وتتولى هيئة السوق المالي تحديد هذه النسبة .
2-أن يتم تحديد مدة زمنية بين حركة البيع والشراء , بحيث يمنع بيع السهم إلا بعد مرور هذه الفترة لمنع (حمى) المضاربة في الأسهم , ومن أجل العمل على استقرار السوق المالي .
وبهذه المقترحات ونحوها , تسعى جميع الشركات المساهمة إلى تفعيل استثماراتها ودفعها نحو الأمام , ونقطع الطريق على العبث بالأموال في مضاربات وهمية تدفع بالناس نحو الانهيار والإفلاس
نهاية التاريخ أم نهاية الرأسمالية ؟
إدريس الكنبوري* 18/8/1423
قبل عشر سنوات خرج (فرانسيس فوكوياما) - الياباني الأصل الأمريكي الجنسية- ليبشر العالم بنظرية جديدة تقول بنهاية التاريخ، زعم فيها أن النظام الرأسمالي هو أرقى ما أنتجته البشرية في تاريخها ، وأن الليبرالية هي النموذج الإنساني الذي بإمكانه تحقيق السعادة للبشرية، وتحقيق مجتمع الرفاه، وبالتالي فلم يعد أمام البشرية سوى تبجيل هذا النموذج ، والسعي إلى الانخراط في مركبه قبل فوات الأوان.
وقد قوبلت نظريته بعدة انتقادات من مفكرين كثر، اتهموه بضيق الأفق والجهل بصيرورة التاريخ، وبعض هذه الانتقادات انصبَّ على تبيان علل الرأسمالية الحديثة - خاصة الأمريكية- والنتائج الكارثية التي تولدها في المجتمعات، وبين المجتمعات المختلفة، وكيف أنها تتأسس على مبدأ الصراع من أجل الربح والطبقية والتفاوت بين مختلف فئات المجتمع والتهميش وسحق الفقراء، وخلصت هذه الانتقادات إلى أن الرأسمالية في نمطها الأمريكي المتوحش لن يكون بمقدورها أن تعيش طويلًا أمام التحديات الاقتصادية الدولية المتمثلة - بالخصوص- في اليابان وأوروبا التي تتجمع في بيت واحد، والتي ستشكل تحديًا حقيقيًا للنموذج الاقتصادي الأمريكي .
لكن الذي حدث بعد عشر سنوات من تلك النظرية المتفائلة ،أن الرأسمالية الأمريكية بدأت تتآكل من داخلها، وأخذ الانهيار يدب في أوصالها بعد تلاحق سقوط كبريات الشركات التي ينهض عليها الاقتصاد الأمريكي الحديث ، فبعد انهيار شركة"انرون"العملاقة للطاقة في (دجنبر) من العام الماضي، وقبلها شركة الكهرباء الكاليفورنية الضخمة في أبريل 2000، ها هي شركة"وورلدكوم"للاتصالات الإلكترونية تلتحق هي الأخرى بمسلسل الانهيارات، ليدخل الاقتصاد الأمريكي أزمة لا سابق لها في تاريخ الرأسمالية، تعد أكبر حجمًا وأعمق تأثيرًا من أزمة الثلاثينات من القرن الماضي.
مرض الرأسمالية الأمريكية
إن هذا السقوط المريع والمتلاحق له عدة دلالات، بعضها اقتصادي ولكن الكثير منها ثقافي وأخلاقي؛ لأن نظام الرأسمالية ليس مبنيا على مجرد معادلات اقتصادية بل على فلسفة معينة تعطيه ماهيته ، لقد جاء إفلاس شركة"انرون"نتيجة عملية اختلاس كبيرة قدرت بأزيد من 20 مليار دولار ، بينما انهارت شركة"وورلدكوم"بسبب عملية تزوير في الحسابات لفائدة بعض المديرين قدر مبلغها بحوالي 38 مليار دولار، أي أن وراء الانهيار قضية اسمها (الفساد المالي) ، وهي ظاهرة أصبحت جزءًا من المنظومة الرأسمالية التي تنبني على تقديس الربح واقتناص فرص الحظ بأي ثمن، وعلى الجشع والسمسرة .
لقد أكدت السنوات الأخيرة أن مسلسل الفساد في الولايات المتحدة الأمريكية تحول إلى مكون عضوي في الاقتصاد والسياسة الأمريكيين . وتؤكد مختلف التقارير حول أحوال الاقتصاد الأمريكي ما بعد حوادث 11 سبتمبر 2001 أنه يتجه نحو الانحدار ، ما يدل على أن تصعيد العدوان الأمريكي عبر العالم بعد تلك الحوادث، بشكل لم يسبق له مثيل، يرمي إلى تصدير الأزمات الداخلية وإشغال الرأي العام عن واقع الانهيارات الاقتصادية والاختلاسات المالية، بمثل ما يكشف عن التقاء المصالح بين الرئاسة الأمريكية وكبريات الشركات المتنفذة في التوسع الخارجي والبحث عن منافذ جديدة للثروة .
ليس هذا الكلام من عندي، لكنه رؤية تحليلية لما صدر في المدة الأخيرة عن أكثر من جهة داخل الولايات المتحدة نفسها، ويؤكد أن حلقة"الأغنياء الجدد"بعد تفجيرات 11 سبتمبر بدأت تضيق أكثر، لفائدة بوش ذي الماضي التجاري الغامض ومعاونيه، ومجموعة من الشركات الكبرى ، فقد أوضح استطلاع للرأي أجرته"نيويورك تايمز"و"سي بي إس نيوز"في شهر يوليو الماضي وجود قلق لدى الأمريكيين من الفضائح المالية الضخمة التي يتكون أبطالها من مديري الشركات ، وعَبَّر أكثر من نصف المستجوبين عن اعتقادهم بأن الإدارة الأمريكية لها مصلحة في حماية الشركات الكبرى ، أكثر من حماية مصالح المواطنين الأمريكيين، وقال ثلثا الذين شاركوا في الاستجواب أن الشركات الكبرى تملك نفوذًا قويًا على إدارة جورج بوش الابن والحزب الجمهوري، وخلص الاستطلاع إلى أن الأمريكيين يعدون الوضع الاقتصادي الحالي الأسوأ منذ عام 1994 ، أثناء عهد (بيل كلينتون) الذي أزكمت رائحة فضائحه الأخلاقية أنوف الأمريكيين .
هذه النتائج التي كشفها استطلاع أجري في أوساط المواطنين الأمريكيين العاديين ، كشف مثيلا لها تقرير متخصص أعده 190خبيرًا ومسؤولًا حكوميًا ، وظهر في المدة نفسها التي ظهرت فيها نتائج الاستجواب المذكور ، أي شهر يوليو الماضي .
التقرير أعده أحد مراكز البحوث التابعة للكونجرس الأمريكي ، وورد فيه أن معدل الفساد في عهد الإدارة الأمريكية الحالية ارتفع بوثيرة غير مسبوقة بلغت 35% ، وأن الأشهر القليلة الماضية شهدت تقديم 2130 حالة فساد إلى المحاكم والجهات المختصة بالنظر في حالات الفساد الحكومي، وجرى التحقيق مع مسؤولي ومديري 64 شركة اقتصادية أمريكية ، وأكثر من مئتي مسؤول عن مؤسسة حكومية أمريكية ، وكان موضوع التحقيقات الحصول على رشاوي وأموال، وتيسير الحصول على خدمات مقابل التنازل عن تطبيق القوانين.