وقال معمر سألت حمادًا عن رجل اشترى من رجل سلعة ، هل يبيعها منه قبل أن ينقده بوضيعة ؟ قال: لا، وكرهه حتى ينقذه. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (8/186) 0
وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في الكافي (3/325) وأما بيع العينة فمعناه أنه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بينهما سلعة محللة ، وهو أيضًا من باب بيع ما ليس عندك ، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن كانت السلعة المبيعة في ذلك طعامًا دخله أيضًا مع ذلك بيع الطعام قبل أن يستوفى ، مثال ذلك أن يطلب رجل من آخر سلعة ليبيعها منه بنسيئة ، وهو يعلم أنها ليست عنده ويقول له اشترها من مالكها هذا بعشرة ، وهي علي باثني عشر أو القدرة عشر إلى أجل كذا فهذا لا يجوز لما ذكرنا ، واختلف أصحاب مالك في فسخ البيع المذكور بالعينة إذا وقع على ذلك ، فمنهم من رأى فسخه قبل الفوات ، وبعده يصلحه بالقيمة على حكم البيوع الفاسدة 0
وقال أبو محمد ابن حزم في المحلى (7/549) فإن ابتاع سلعة بثمن مسمى إلى أجل مسمى ، فإنه لا يجوز له أن يبيعها من الذي باعها منه بثمن أقل من ذلك الثمن، أو بسلعة تساوي أقل من ذلك الثمن نقدًا ، أو إلى أجل أقل من ذلك الأجل أو مثله: لم يجز شيء من ذلك ، وله أن يبيعها من الذي باعها منه بثمن أكثر من ذلك الثمن نقدًا ، أو إلى أجل أقل من ذلك الأجل أو مثله ، وليس له أن يبيعها من بائعها منه بثمن أكثر من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل ، ولا بسلعة تساوي أكثر من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل 0
وقال ابن قدامة في المغني (4/256) وجملة ذلك أن من باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدًا لم يجز في قول أكثر أهل العلم ، روي ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي ، وبه قال أبو الزناد وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي ، وأجازه الشافعي لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها كما لو باعها بمثل ثمنها . ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة ، فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس . وقال: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد ، وقال ابن عقيل إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا فإن الغالب أن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالأجل ، ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة ، وللبيع بنسيئة جميعًا ، لكن البيع بنسيئة ليس بمحرم اتفاقًا ، ولا يكره إلا أن يكون له تجارة غيره 0
وقال في الإنصاف (4/335) ومن باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها نقدًا ، إلا أن تكون قد تغيرت صفتها 0
قال: هذه مسألة العينة ، فعلها محرم . على الصحيح من المذهب . نص عليه . وعليه الأصحاب ، وعند أبي الخطاب يحرم استحسانًا ، ويجوز قياسًا . وكذا قال في الترغيب: لم يجز استحسانًا . وفي كلام القاضي وأصحابه: القياس صحة البيع 0
قال في الفروع: ومرادهم أن القياس خولف لدليل راجح ، فلا خلاف إذًا في المسألة . وحكى الزركشي بالصحة قولًا ، وذكر الشيخ تقي الدين أيضًا: أنه يصح البيع الأول ، إذا كان بيانًا ، بلا مواطأة ، وإلا بطلا ، وأنه قول أحمد 0
وجاء في السؤال: ما صورة التورق 0
والتورق هو: شراء سلعة بثمن مؤجل بقصد بيعها على غير البائع 0
وحكم ذلك: الجواز في أصح قولي العلماء ، وهو قول إياس بن معاوية ، والإمام أحمد في إحدى الروايتين ، وهي المشهورة عند الحنابلة 0
قال في كشاف القناع (3/186) ولو احتاج إنسان إلى نقد ، فاشترى ما يساوي مائة بمائة وخمسين ، فلا بأس بذلك . نص عليه ، وهي مسألة التورق ) 0
ودليل الجواز:
(1) أن الأصل في العقود والمعاملات الحل حتى يقوم الدليل على تحريمها 0
(2) وبدليل العموم المستفاد من قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) وقوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) 0
فمن اشترى سلعة قرضًا ، سواء قصد ذاتها أو ثمنها فالآية مفيدة بجواز هذا البيع ويتأكد هذا بالأصل في حكم العقود والمعاملات ، فلا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل 0
ولا أعلم دليلًا شرعيًا يمنع هذه المعاملة ، وأما تعليل من منعها بكون المقصود منها الدراهم ، أو التحايل على الربا ، فليس فيه تحيل على الربا بوجه من الوجوه ، مع مسيس الحاجة إليها ، لأنه ليس كل أحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا ، وما دعت إليه الحاجة ، وليس فيه محذور شرعي ، لم يجز تحريمه على العباد 0
• وذهب عمر بن عبد العزيز ، وطائفة من أهل المدينة ، والإمام أحمد في رواية إلى التحريم ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه العلامة ابن القيم0
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الفتاوى (29/303) إن كان المشتري محتاجًا إلى الدراهم ، فاشتراها ليبيعها ، ويأخذ ثمنها ، فهذا يسمى التورق وإن كان المشتري غرضه أخذ الورق ، فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء ، كما قال عمر بن عبد العزيز: التورق أخية الربا . وقال ابن عباس: إذا قومت بنقد ، ثم بعت بنسيئة: فتلك دراهم بدراهم ، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد 0
ومعنى قول عمر بن عبد العزيز أخية الربا ، يعني: أصل الربا قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، كما في الفتاوى (29/431)
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضًا ، في بيان الدليل في إبطال التحليل (119) ولهذا كره العلماء أن يكون أكثر بيع الرجل أو عامته بنسيئة لئلا يدخل في اسم العينة ، وبيع المضطر ، فإن أعاد السلعة إلى البائع فهو الذي لا يشك في تحريمه ، وأما إن باعها لغيره بيعًا بتاتًا ، ولم تعد إلى الأول بحال فقد اختلف السلف في كراهيته ويسمونه التورق لأن مقصوده الورق ، وكان عمر بن عبد العزيز يكرهه ، وقال التورق أخية الربا وإياس بن معاوية يرخص فيه ، وعن الإمام أحمد فيه روايتان منصوصتان ، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر 0
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين (3/370) وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة وإن باعها لغيره فهو التورق وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق ، وقد كرهه عمر ابن عبد العزيز وقال هو أخية الربا ، وعن أحمد فيه روايتان وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر ، وهذا من فقهه رضي الله عنه قال فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر ، وكان شيخنا رحمه الله يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخص فيها وقال المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها ؛ فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه 0
وقال أيضًا في تهذيب السنن (9/249-250 المطبوع ضمن عون المعبود) فإن قيل فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث هل تسمون ذلك عينة ؟
قيل هذه مسألة (التورق) لأن المقصود منها الورق ، وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة ، وأطلق عليها اسمها 0
وقد اختلف السلف في كراهيتها ، فكان عمر بن عبدالعزيز يكرهها ، وكان يقول (التورق أخية الربا) ورخص فيها إياس بن معاوية 0