فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 1226

1 -ما رواه ابن أبي شيبة (66) ، عن عمرو بن ميمون قال: (أخذ الوالي في زمن عبدالملك مال رجل من أهل الرقة - يقال له أبو عائشة - عشرين ألفًا، فأدخلت في بيت المال، فلما ولي عمر بن عبدالعزيز أتاه ولده فرفعوا مظلمتهم إليه، فكتب إلى ميمون: ادفعوا إليهم أموالهم ، وخذوا زكاة عامه هذا، فلو أنه كان مالًا ضمارًا أخذنا منه زكاة ما مضى) وفي لفظ له (67) : (أن رجلًا ذهب له مال في بعض المظالم ، ووقع في بيت المال، فلما ولي عمر بن عبدالعزيز، رفع إليه، فكتب عمر: أن ادفعوا إليه وخذوا منه زكاة ما مضى، ثم أتبعهم بعد بكتاب: أن ادفعوا إليه، ثم خذوا منه زكاة ذلك العام، فإنه كان مالًا ضمارًا) .

2 -واستدلوا أيضًا: بدليلهم السابق في زكاة الدين الذي على المعسر (68) .

مناقشة أدلة هذا القول:

1 -أما أثر عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - فيجاب عنه: بأنه اجتهاد منه يخالف ما تقتضيه عموم النصوص الشرعية الدالة على أن الزكاة إنما تؤخذ من الأموال التي تحت يدأربابها،والقاعدة الشرعية:أنه لا اجتهاد في مورد النص.

1 -ويجاب عن دليلهم الثاني بما أجيب به في المناقشة السابقة لهذا الدليل (69) .

ج - استدل أصحاب القول الثالث:

1 -أن ملكه عليه تام، فلزمته زكاته ، كما لو أُسر أو حُبس وحيل بينه وبين ماله (70) .

2 -أنه يثاب عليه ويؤجر فيه إن ذهب، فكذا تلزمه زكاته (71) .

3 -واستدلوا أيضًا: بأدلتهم السابقة في زكاة الدين الذي على المعسر (72) .

مناقشة أدلة هذا القول:

1 -أما قياس المال الضمار على ما لو أسر أو حبس عن ماله، فهو قياس مع الفارق، وذلك أن محل الزكاة في المال الضمار مفقود، وهو المال - محل الوجوب - فكيف يخرج زكاة مالٍ لا وجود له ؟ كما أن من شروط وجوب الزكاة الملك التام للمال، وهو غير متحقق هنا، وهذا بخلاف ما لو حبس ، فالمال موجود ومملوك ، ولكنه لم يتمكن من الانتفاع به لسبب خارجي ، كما لو مرض أو سافر فلم يتمكن من الانتفاع به حال مرضه أو سفره ، فإنه يلزمه زكاته .

2 -وأما الثواب والأجر على ذهاب المال، فإنه لا يلزم منه وجوب الزكاة؛ إذ لا تلازم بين الأمرين، فالأجر والثواب بابه واسع ، وأما الزكاة فلها شروط لا تجب إلا بتحققها .

ويجاب عن أدلتهم السابقة بما أجيب به في المناقشة السابقة لهذه الأدلة (73) .

الترجيح:

وبعد عرض الأقوال ، والأدلة ، ومناقشة أدلة القول الثاني، والثالث، يتبين رجحان القول الأول، وهو عدم وجوب الزكاة في المال الضمار؛ لقوة ما استدلوا به ، ولأنه القول الذي يتفق مع أصل براءة الذمة من المال الخارج عن ملك صاحبه، ويتفق أيضًا مع مقاصد الشريعة من رفع الحرج عن المكلف ، حيث لا يكلَّف المسلم بإخراج زكاة مال ليس في ذمته، بل هو في ذمة غيره، كما ينسجم مع مقصد التيسير الذي جاءت به شريعتنا الغراء، والله تعالى أعلم.

المطلب الثالث:

التخريج:

مما تقدم يتبين أن هذه الأسهم المتعثرة إذا لم تكن مرجوة الحصول، بمعنى أنه ميؤوس من تحصيلها ، فإنه يكون حكم زكاتها كزكاة المال الضمار، وعلى القول الراجح ، فإنه إذا انفك التعثر، وعادت الأسهم إلى أربابها ، فإنه يستأنف بها المساهم حولًا، ولا تجب الزكاة فيها لما مضى، والله تعالى أعلم.

الخاتمة

وتشتمل على ملخص لأهم نتائج البحث، فأقول:

تلخص مما تقدم، أن تعثر الأسهم أصبح ظاهرة في واقعنا المعاصر، لأسباب كثيرة، منها: كثرة الخصومات العقارية التي تطال بعض المساهمات فتتعثر بسببها ، ومنها كثرة الشركات المساهمة التي لا تلتزم بالأنظمة المالية والمحاسبية، مع ضعف الديانة وقلة الأمانة - إلا من رحم الله - فساهم هذا الواقع في ظهور ما يمكن أن يسمى بالأسهم المتعثرة، أو بالمساهمات المتعثرة، ومع هذا الواقع فقد أشكل على كثيرين مدى وجوب الزكاة في هذه الأسهم، وبالنظر إلى كلام الفقهاء المتقدمين فإنه يمكن تخريج هذه المسألة على مسألة الزكاة في دين المعسر والمماطل، ومسألة الزكاة في المال الضمار، وعلى هذا ، فإنه إذا كانت هذه الأسهم المتعثرة مرجوة الحصول ، فإنها تخرج على زكاة دين المعسر والمماطل، وتبين بعد عرض الخلاف في هذه المسألة أن الراجح: هو أن الدين الذي على المعسر والمماطل لا يزكى، وإنما يستأنف به الدائن حولًا، فكذا هنا في الأسهم المتعثرة . أما إذا كانت هذه الأسهم غير مرجوة الحصول أو ميؤوس منها، فإنها تخرج على زكاة المال الضمار، وقد تبين بعد عرض الخلاف في هذه المسألة أن الراجح هو: أن المال الضمار لا يزكى ، وإنما يستأنف به مالكه حولًا، فكذا هنا في الأسهم المتعثرة ، فإنه يستأنف بها المساهم حولًا، ولا يزكي لما مضى .

أما ما يثار بأن هذه الأسهم المتعثرة لها قيمة سوقية، وبالتالي فإنه يجب أن تزكى وفق هذه القيمة ، فقد تقرر في ثنايا البحث أن هذه القيمة السوقية لا اعتبار لها عند الشارع؛ لأنها مبنية على الغرر والغبن، وعليه فلا يصح هذا القول، والله تعالى هو الموفق والهادي .

فهرس المصادر والمراجع

(1) القرآن الكريم.

(2) صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج القشيري، دار الحديث، الطبعة الأولى، 1412هـ.

(3) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد بن ناصر الدين الألباني.

(4) أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة ، لمحمد بن سليمان الأشقر وآخرون، دار النفائس، الطبعة الأولى، 1418هـ.

(5) الأسهم والسندات وأحكامها في الفقه الإسلامي، لأحمد بن محمد الخليل، دار ابن الجوزي، 1424هـ.

(6) الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ، دار الفكر، 1408هـ.

(7) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (مع الشرح الكبير) للمرداوي علي بن سليمان بن أحمد ، دار هجر، الطبعة الأولى، 1415هـ.

(8) الاستذكار لابن عبدالبر يوسف بن عبدالله النمري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2000م .

(9) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني علاء الدين أبي بكر بن مسعود، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1402هـ.

(10) الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر أحمد بن علي العسقلاني، دار المعرفة .

(11) روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي يحيى بن زكريا، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1405هـ.

(12) الشرح الكبير لأبي الفرج عبدالرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار هجر، الطبعة الأولى، 1415هـ.

(13) طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية للنسفي أبي حفص عمر بن محمد، دار النفائس، الطبعة الأولى، 1416هـ.

(14) الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي، للصديق محمد الأمين الضرير، دار الجيل، الطبعة الثانية، 1410هـ.

(15) فتح القدير لابن الهمام محمد بن عبدالواحد السكندري، دار إحياء التراث العربي، ودار الكتب العلمية.

(16) فتوى جامعة في زكاة العقار ، لبكر بن عبدالله أبوزيد، دار العاصمة، الطبعة الأولى، 1421هـ.

(17) القاموس المحيط للفيروزآبادي محمد بن يعقوب، مؤسسة الرسالة، الطبعة السادسة، 1419هـ.

(18) القواعد النورانية الفقهية (الكلية) ، لابن تيمية أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام، مكتبة التوبة، الطبعة الأولى، 1423هـ.

(19) القوانين الفقهية لابن جزي محمد بن أحمد بن محمد الكلبي، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1409هـ.

(20) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، لابن عبدالبر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري، مكتبة الرياض الحديثة، الطبعة الثالثة، 1406هـ.

(21) لسان العرب ، لابن منظور محمد بن مكرم الإفريقي، دار صادر، الطبعة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت