قال الآلوسي: وحاصل هذا الرد من الله - تعالى - عليهم: أن ما ذكرتم -"من أن الربا مثل البيع - قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان ، على أن بين البابين فرقًا ، وهو أن من باع ثوبًا يساوي درهما بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلا لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو في مقابلة شيء من الثوب . وأما إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون عوض ، ولا يمكن جعل الإِمهال عوضا إذا الإِمهال ليس بمال في مقابلة المال".
وقوله: { فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله } . .
تفريع على الوعيد السابق في قوله: { الذين يَأْكُلُونَ الربا . . . } إلخ .
والمجيء بمعنى العلم والبلاغ ، والموعظة: ما يعظ الله - تعالى - به عباده عن طريق زجرهم وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عاقبة المخالفين لأوامره .
أي: فمن بلغه نهي الله - تعالى - عن الربا ، فامتثل وأطاع وابتعد عما نهاه الله عنه ، { فَلَهُ مَا سَلَفَ } أي فله ما تقدم قبضه من مال الربا قبل التحريم وليس له ما تقدم الاتفاق عليه ولم يقبضه . . لأن الله - تعالى - يقول بعد ذلك { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ . . } .
وقوله: { وَأَمْرُهُ إِلَى الله } أي أمر هذا المرابي الذي تعامل بالربا قبل التحريم واجتنبه بعده ، أمره مفوض إلى الله - تعالى - فهو الذي يعامله بما يقتضيه فضله وعفوه وكرمه .
قال ابن كثير: { فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ } . . إلخ أي ما بلغه نهى الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله: { عَفَا الله عَمَّا سَلَف } وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:"وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي خاتين وأول ربا أضع ربا عمي العباس"، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما قال - تعالى -: { فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله } أي ففله ما كان قد أكل من الربا قبل التحريم .
و"من"في قوله: { فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ } شرطية وهو الظاهر ، ويحتمل أن تكون موصولة وعلى التقديريرن فهي في محل رفع بالابتداء ، وقوله: { فَلَهُ مَا سَلَفَ } هو الجزاء أو الخبر ، و ( موعظة ) فاعل جاء ، وسقطت التاء من الفعل للفصل بينه وبين الفاعل أو تكون الموعظة هنا بمعنى الوعظ فهي في معنى المذكر .
وقوله: { مِّنْ رَّبِّهِ } جار ومجرور متعلق بجاءه ، أو بمحذوف وقع صفة لموعظة .
وفي قوله: { مِّنْ رَّبِّهِ } تفخيم لشأن الموعظة ، وإغراء بالامتثال والطاعة لأنها صادرة من الله - تعالى - المربى لعباده .
وفي هذه الجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر السماحة فيما شرعه الله لعباده ، لأنه - سبحانه - لم يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل وجود الأمر والنهي ، ولم يجعل تشريعه بأثر رجعي بل جعله للمستقبل ، إذ الإِسلام يجب ما قبله . فما أكله المرابي قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه فيه وهو ملك له ، إلا أنه ليس له أن يتعامل به بعد التحريم ، وإذا تعامل به فلن تقبل توبته حتى يتخلص من هذا المال الناتج عنه الربا .
ولقد توعد الله - تعالى - من يعود إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله - تعالى - فقال { وَمَنْ عَادَ فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .
أي ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن هى الله عنه فأولئك العائدون هم أصحاب النار الملازمون لها ، والماكثون فيها بسبب تعديهم لما نهى الله عنه .
وفي هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل بأولئك العائدين بوجوه من المؤكدات منها: التعبير فيها بأولئك التي تدل على البعيد فهم بعيدون عن رحمة الله ، والتعبير بالجملة الاسمية التي تفيد الدوام والاستمرار والتعبير ، بكلمة أصحاب الدالة على الملازمة والمصاحبة ، وبكلمة { خَالِدُونَ } التي تدل على طول المكث .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المرابين ، وحسن عاقبة المتصدقين فقال: { يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات } .
والمحق: النقصان والإِزالة للشيء حالا بعد حال ، ومنه محاق القمر ، أي انتقاصه في الرؤية شيئًا فشيئًا حتى لا يرى ، فكأنه زال وذهب ولم يبق منه شيء .
أي: أن المال الذي يدخله الربا يمحقه الله ، ويذهب بركته ، أما المال الذي يبذل منه صاحبه في سبيل الله فإنه - سبحانه - يباركه وينميه ويزيده لصاحبه .
قال الإِمام الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: اعلم أنه لما كان الداعي إلى التعامل بالربا تحصيل المزيد من الخيرات ، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان المال ، لما كان الأمر كذلك بين - سبحانه - أن الربا ، وإن كان زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة ، وأن الصدقة وإن كانت نقصانًا في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى ، واللائق بالعقال أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس والدواعي والصوارف ، بل يعول على ما أمر به الشرع .
ثم قال: واعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة . أما محق الربا في الدنيا فمن وجوه:
أحدها: أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته إلى الفقر ، وتزول البركة عنه ، ففي الحديث: الربا وإن كثر فإلى قل .
وثانيها: إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم والنقص وسقوط العدالة وزوال الأمانة .
وثالثها: إن الفقراء يلعنونه ويبغضونه بسبب أخذه لأموالهم . . .
ورابعها: أن الأطماع تتوجه إليه من كل ظالم وطماع بسبب اشتهاره أنه قد جمع ماله من الربا ويقولون: إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده .
وأما أن الربا مسبب للمحق في الآخرة فلوجوه منها أن الله - تعالى - لا يقبل منه صدقة ولا جهادًا ولا صلة رحم - كما قال ابن عباس - ، ومنها أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت بل الباقي هو العقاب وذلك هو الخسران الأكبر .
وأما إرباء الصدقات في الدنيا فمن وجوه: منها: أن من كان لله كان الله له ، ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه وزاده من فضله ، ومنها أن يزداد كل يوم في ذكره الجميل وميل القلوب إليه ، ومنها أن الفقراء يدعون له بالدعوات الصالحة وتنقطع عنه الأطماع .
وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن الله - تعالى - يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره ، أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد".
ففي هذه الجملة الكريمة بشارة عظيمة للمتصدقين ، وتهديد شديد للمرابين ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } .
و { كَفَّارٍ } فعيل بمعنى فاعل فهي صيغة مبالغة من آثم ، والأثيم هو المكثر من ارتكاب الآثام المبطئ عن فعل الخيرات .
أي: أن الله - تعالى - لا يرضى عن كل من كأن شأنه الستر لنعمه والجحود لها ، والتمادي في ارتكاب المنكرات ، والابتعاد عن فعل الخيرات .
وقد جمع - سبحانه - بين الوصفين للإِشارة إلى أن الإِيمان المرابين ناقص إن لم يستحلوه وهم كفار إن استحلوه ، وهم في الحالتين آثمون معاقبون ، يعيدون عن محبة الله ورضاه . وسيعاقب - سبحانه - الناقصين في إيمانهم ، والكافرين به بما يستحقون من عقوبات .
فالجملة الكريمة لمن استحلوا الربا ، أو فعلوه مع عدم استحلالهم له .