وبناء عليه، فإنه لا يصح أن يستفتي العالم إذا كان فاسقًا، ولا العابد إن كان جاهلًا ولو كان إمامًا لمسجد أو جامع، ولا أن يستفتي طالب العلم في بابٍ لا يحسنه، فلا يُسأل -مثلًا- في باب المعاملات المالية المعاصرة من لا يحسن فهمها، أولا يدرك واقعها، أو لا يحيط بتفاصيلها المؤثرة في الحكم، ولو كان عالمًا شهيرًا، يقصده العامة لشهرته لا لعلمه، كما حذر من ذلك العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين (6/119) حيث قال:"وهذا الضرب إنما يستفتون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية، قد غرهم عكوف من لا علم عنده عليهم، ومسارعة أجهل منهم إليهم، وتعج منهم الحقوق إلى الله تعالى عجيجًا، وتضج الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا، فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهل، فتيا، أو قضاء، أو تدريس، استحق اسم الذم، ولم يحل قبول فتياه ولا قضائه، هذا حكم دين الإسلام"أهـ.
وهذا الكلام القيم من ابن القيم -رحمه الله- يجرنا إلى التنبيه الثاني وهو: أنه لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا علم المستفتي أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه لو كان خصمًا قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-"فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار"متفق عليه.
فالمفتي والقاضي في هذا سواء، ولهذا لا ينبغي للمستفتي أن يعمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن لها نفسه، ولم يسكن لها قلبه، ولو كان هذا المفتي ممن يتصدر للفتوى، كما يدل لذلك الحديث الذي حسنه النووي في أربعينه (ص47) عن وابصة بن معبد -رضي الله عنه- وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له:"... استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك"رواه أحمد في مسنده (4/227) ، والدارمي في سننه (2/246) ، وبنحو هذا صرح العلامة ابن القيم في الإعلام (6/192-193) وإذا كان هذا في زمانه، فكيف في زماننا الذي كثر فيه المفتون الذين يجرون وراء رخص الفقهاء بحجة المصلحة، أو التيسير على الناس..!! ثم قال كلامًا نفيسًا، ما نصه:"ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي، أو محاباته في فتواه، أو عدم تقيده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه، وسكون النفس إليها..."أهـ.
وكلامه القيم هذا -رحمه الله- يجرنا إلى التنبيه الثالث.
وهو: أنه لا يجوز للعامي أن يتتبع رخص الفقهاء، لا رخص الشارع، ففرق بين الأخذ برخصة الله تعالى، وبين تتبع رخص خلقه.
فالأول: مندوب إليه بقوله -صلى الله عليه وسلم-:"عليكم برخصة الله التي رخص لكم"وأما الثاني: فهو محرم بإجماع أهل العلم، كما صرح بذلك الحافظ ابن عبد البر فيما حكاه عنه ابن النجار في شرح الكوكب المنير (4/578) حيث نقل عنه أنه قال:"لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا"أهـ. وقال الإمام أحمد -رحمه الله- (لو أن رجلًا عمل بكل رخصة كان فاسقًا"وقال الإمام الغزالي -رحمه الله- في المستصفى(2/391) : (لا يجوز للمستفتي أن يأخذ بمذهبٍ بمجرد التشهي، أو أن ينتقي في كل مسألة أطيبها عنده"أهـ.
وحكى الزركشي في البحر المحيط (6/325) عن النووي أنه سئل: (هل يجوز أن يُقلَّد غير المذهب في رخصةٍ لضرورةٍ ونحوها) فأجاب: (يجوز أن يعمل بفتوى من يصلح للإفتاء إذا سأله اتفاقًا من غير تلقط الرخص، ولا تعمد سؤال من يعلم أن مذهبه الترخيص في ذلك"أهـ."
ومن جليل ما نقل في سدّ ذريعة الترخص، ما رواه الإمام البيهقي في سننه الكبرى (10/211) بإسناده عن إسماعيل القاضي (ت282هـ) أنه قال: (دخلت على المعتضد(ت289هـ) فدفع إليَّ كتابًا نظرت فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنَف هذا زنديق. فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر -أي النبيذ- لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها، ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب).
ومما تؤخذ منه العبرة في هذا الباب، ما قاله الإمام ابن الجوزي (ت597هـ) عن نفسه في كتابه الوعظي صيد الخاطر (2/304) ما نصه:"ترخصتُ في شيء يجوز في بعض المذاهب، فوجدت في قلبي قسوة عظيمة، وتخايل لي نوع طردٍ عن الباب، وبعد، وظلمة تكاثفت فقالت نفسي: ما هذا؟ أليس ما خرجت عن إجماع الفقهاء؟ فقلت لها: يا نفس السوء! جوابُك من وجهين:"
أحدهما: أنكِ تأولت ما لا تعتقدين، فلو استُفْتيت لم تفتِ بما فعلت. قالت: لو لم أعتقد جواز ذلك ما فعلته. قلت: إلا أن اعتقادكِ هو ما ترضينه لغيركِ في الفتوى.
والثاني: أنه ينبغي لكِ الفرح بما وجدتِ من الظلمة عقيب ذلك؛ لأنه لولا نورُ في قلبك ما أثرَّ مثل هذا عندك. قالت: فلقد استوحشت بهذه الظلمة المتجددة في القلب. قلت: فاعزمي على الترك، وقدِّري ما تركتِ جائزًا بالإجماع، وعُدِّي هجره ورعًا، وقد سلمتِ) أهـ.
فإذا تقرر: أنه لا يجوز تتبع الرخص، ولا تلقط الزلل، فما هو موقف العامي إزاء خلاف المفتين؟
في هذه المسألة خلاف قديم، حكاه غير واحد من أهل العلم، ومنهم ابن الصلاح (ت643هـ) في أدب المفتي والمستفتي (ص164) ، حيث عدَّ في المسألة خمسة أوجه عن أصحابه الشافعية، وتابعه ابن حمدان الحنبلي (ت695هـ) في صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص80) ، واعتبرها خمسة مذاهب، ورجح ما رجحه ابن الصلاح -بالتفصيل الذي ذكره وبالعبارة نفسها- دون أدنى إشارة إلى ذلك! وهذه الأقوال هي:
الأول: أنه يأخذ بأغلظها، فيأخذ بالحظر دون الإباحة، لأنه الأحوط، ولأن الحق ثقيل، وهذا محكي عن أهل الظاهر، وأقوى ما استدلوا به حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين، وفيه (إن الحلال بيَّن، وإن الحرام بيَّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه...)
الثاني: أنه يأخذ بأخفها، لأنه الأيسر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- بعث بالحنيفية السمحة، وما خيِّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، كما ثبت بذلك الحديث، وفي التنزيل:"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"وهذا القول وجه عند الشافعية.
الثالث: يسأل مفتيًا آخر، فيعمل بفتوى من يوافقه، وحاصل هذا أنه يأخذ برأي الأكثر، وهكذا لو كان في المسألة رأيان، أحدهما قول الجمهور، فيأخذ به، لغلبة الظن بصحة هذا الرأي، كتعدد الأدلة والرواة، وهذا القول هو وجه عند الشافعية.
الرابع: يتخير، فيأخذ بقول أيهما شاء، وهذا القول كما في البحر المحيط (6/313) نقله المحاملي عن أكثر أصحابه من الشافعية -وصححه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (2/432) واحتج له: بأن العامي ليس من أهل الاجتهاد، وإنما عليه أن يرجع إلى قول عالم ثقة، وقد فعل ذلك، فوجب أن يكفيه، وكذا اختار هذا القول القاضي أبو يعلى، وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد، كما في شرح الكوكب المنير (4/580) وكذا اختاره المجد كما في المسودة (ص519) .