والمؤشرات تدل على أن المديونية الأمريكية في ازدياد. وباتفاق الخبراء، فإن هذا النمو لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فالديون تجعل الاقتصاد مكبلًا بقيود الفوائد المستحقة سنويًا، ولا مفر للتخلص من هذه القيود التي تنمو وتزيد مع الزمن سوى البحث عن موارد جديدة. ولا شك أن أهم وأخطر الموارد اليوم هو النفط، وإذا كان العراق يرقد على ثاني أكبر مخزون من النفط في العالم، وكان النظام العراقي يُعد خارجًا عن القانون لأسباب شتى، فالنتيجة الطبيعية هي توجه الأطماع إلى هذا المخزون، وتحويله لإنقاذ الدولة الأقوى في العالم من الإفلاس، بدلًا من بقائه بيد نظام منبوذ دوليًا. ولذلك لم يكن غريبًا أن يتزامن تحذير المحللين من تهديد الإفلاس الذي تواجهه الحكومة الأمريكية، وإعلان موديز لمراجعة الملاءة المالية لسندات الخزينة، مع ظهور الخطة الداعية إلى احتلال العراق والتحكم في موارده النفطية. لكن إدارة الرئيس كلينتون لم تكن ترغب في تحمل الأعباء السلبية لهذا القرار، خاصة في غياب الفرصة الملائمة محليًا ودوليًا، ولذلك أخرت الموضوع ليكون من نصيب الإدارة التي تليها.
التركيب السكاني
لو لم يكن الاقتصاد الأمريكي يعاني إلا من المديونية لكفاه، لكن هناك مشكلة أخرى من شأنها أن تسبب كارثة للاقتصاد الأمريكي ما لم يتم علاجها بشكل فعال، لكن مع غرق الاقتصاد في المديونية، يتعذر العلاج ومن ثم تتضاعف الكارثة.
هذه المشكلة باختصار هي تزايد نسبة كبار السن والمتقاعدين في المجتمع الأمريكي، وفي المجتمعات الغربية عمومًا، وهي نتيجة طبيعية لتناقص معدلات المواليد من جهة، ونقص معدلات الوفيات المبكرة من جهة أخرى. وتناقص معدلات المواليد بدوره نشأ من تدهور وضع الأسرة في الغرب، وشيوع العلاقات غير الشرعية وانفراط القيم الأخلاقية.
ومع تزايد نسبة كبار السن وتناقص نسبة الشباب والقادرين على العمل، يتزايد عبء الضمان الاجتماعي الذي يوفر التقاعد لكبار السن، من خلال مساهمات العاملين عبر ما يسمى (ضريبة الضمان الاجتماعي) وذلك أن الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة مبني على إعطاء المتقاعدين مستحقاتهم من خلال ضريبة الضمان الاجتماعي التي تفرض على العاملين. فكلما كانت نسبة المتقاعدين إلى العاملين أقل، كلما كانت التعويضات المتاحة للمتقاعدين أوفر، والعكس بالعكس. والحاصل هو أن هذه النسبة تتناقص مع الزمن، حيث يتوقع أن تبلغ نسبة نمو شريحة المتقاعدين (الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا) 90% خلال العقود الثلاثة القادمة، لتصل إلى 69 مليونًا، بينما تنمو شريحة العاملين (ممن هم دون 65 عامًا) بمعدل 15% فقط، لتصل إلى 195 مليونًا. وبذلك يتوقع أن تكون نسبة المتقاعدين إلى العاملين في 2030م 2:1 بحيث يكون لكل متقاعد عاملان اثنان فقط. في حين كانت هذه النسبة أول ما أنشئ الضمان الاجتماعي قبل نحو 70 عامًا تبلغ 50:1 ، أي خمسين عاملًا لكل متقاعد.
وسيترتب على ذلك أن تصبح الميزانية اللازمة للضمان الاجتماعي تعادل 15% من الدخل المحلي للاقتصاد الأمريكي، أو ما يعادل تقريبًا 2.5-3 تريليون دولار سنويًا (بناء على ما جاء في تقرير لجنة الكونجرس للميزانية المعد في 2001م) .
ولكن واقع الأمر أن صندوق الضمان الاجتماعي يعاني من مشكلتين: أولاهما أن معدل الإنفاق على المتقاعدين سيتجاوز مقدار الضريبة المأخوذة من العاملين بحلول عام 2018م. واعتبارًا من ذلك الوقت سيحتاج صندوق الضمان الاجتماعي إلى مصادر خارجية لتمويل العجز. ونظرًا لأن الصندوق حكومي بطبيعة الحال، فستكون الحكومة هي المسؤولة عن سد العجز.
المشكلة الثانية: أن الفائض الذي تراكم لدى صندوق الضمان خلال العقود الماضية قد اقترضته الحكومة لتمويل نفقاتها الأخرى. وهذا يعني أن عبء الضمان الاجتماعي على الحكومة صار مضاعفًا: فهي بحاجة لسداد الديون الماضية لتغطية عجز الصندوق، كما أنها ملزمة بتغطية ما يزيد عن ذلك من مصاريف الضمان.
وهذا يعني أنه يجب على الحكومة الأمريكية أن تستعد لتوفير هذه المبالغ الطائلة لهذه الشريحة الكبيرة من المجتمع.
والوسائل المتاحة للحكومة لذلك لا تخرج عن ثلاثة:
-الاقتراض،
-الضريبة،
-زيادة إصدار النقود.
أما الاقتراض فهو خيار متعذر بسبب المديونية العالية التي تستهلك فوائدها خمس الميزانية حاليًا، وأي توسع في الاقتراض من شأنه أن يهدد ثقة المستثمرين في السندات الأمريكية، ويعرض من ثم الدولار إلى الانهيار. أما الضريبة فقد تزايدت ضريبة الضمان الاجتماعي عبر السنين إلى حد أن زيادتها أكثر مما سبق ستصبح ضارة بالاقتصاد، وقد لا تفي بالمبالغ المطلوبة.
أما إصدار النقود فسيؤدي إلى تدهور قيمة الدولار، ومن ثم إلى تهديد الاقتصاد الأمريكي أكثر من ذي قبل.
وإذا لم تنجح الحكومة الأمريكية في سد عجز الضمان الاجتماعي فيصبح المجتمع الأمريكي مهددًا بنقص حاد في دخول شريحة كبيرة من أعضائه. ونظرًا للثقل الانتخابي لهذه الشريحة فليس من مصلحة أي حكومة أن تتجاهلها، ولكن الحال أنه لا توجد موارد لحل المشكلة."كيفما نظرت إلى الأمر"، يقول الاقتصادي الأمريكي المعروف (بول كروجمان) :"تجد المستقبل مخيفًا".
وإذا كان الأمر بهذه الخطورة فلا بد من بحث عن حل خارج الإطار المعتاد، وهذا يقود إلى محاولة تأمين مصادر خارجية للثروة، وأبرز هذه المصادر وأهمها هو الطاقة. ومرة أخرى نجد المؤشرات تتجه نحو آبار النفط؛ لمواجهة النُذُر التي تهدد الاقتصاد الأمريكي.
الحرب
إن إقدام الإدارة الأمريكية على احتلال منابع النفط ليس قرارًا ارتجاليًا. وبالرغم مما يتسم به القرار من الكبرياء والغطرسة والاستعلاء والرغبة في استكثار المال والتحكم في الثروة، إلا أنه في الحقيقة ينبع مما هو أعمق وأبعد من ذلك: إنه محاولة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الانهيار تحت وطأة الديون والفوائد الربوية المتراكمة عليه، وتحت وطأة اختلال التركيبة السكانية، وتزايد نسبة المعتمدين على الضمان الاجتماعي.
وعبر التاريخ نشبت العديد من الحروب التي دفعت إليها أغلال الديون وآصار الربا، وهاهو التاريخ اليوم يعيد نفسه. ولقد صدق الله تعالى إذ يقول: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ، ومن مظاهر إعلان الحرب على الله وآثاره: نشوب الحروب بين الدول لتوفير المصادر اللازمة لسداد الديون أو مجرد التخفيف منها.
ويتضح مما سبق العلاقة الوثيقة لليهود بهذه الحرب، فمن جهة فإن اليهود هم الذين تبنوا النظام الربوي السائد اليوم، والذي يتمثل بأجلى صوره في الولايات المتحدة، فأغرقوها بالديون ليجمعوا أكبر قدر ممكن من الثروة من خلال الفوائد الربوية المترتبة عليها، فأصبحت أمريكا عاجزة عن الوفاء إلا من خلال الاستيلاء على مصادر ثروة خارجية. ومن جهة يطمح اليهود إلى بناء"إسرائيل الكبرى"التي تمتد من الفرات إلى النيل، ويشكل العراق جزءًا مهمًا من هذا الكيان. فاليهود ورطوا الاقتصاد الأمريكي، في هذه المعضلة، ثم هاهم أولاء يوجهونه للخروج منها من خلال التورط في معضلة جديدة هي الحرب. وصدق الله فيهم إذ يقول: {ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين} .
نظرة استشرافية