فهرس الكتاب

الصفحة 926 من 1226

وقد حصل ما يدل على ذلك في عهد مبكر يشهد عليه الإمام مالك ـ رحمه الله ـ حيث قال: (( ما شيء أشد عليّ من أن أُسأل عن مسألة من الحلال والحرام لأن هذا هو القطع في حكم الله ، ولقد أدركت أهل العلم والفقه في بلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه ، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا ، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدًا لقللوا من هذا ، وإن عمر بن الخطاب وعليًا وعلقمة:(2) خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون ،ثم حينئذٍ يفتون فيها وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا ، فبقدر ذلك يُفتح لهم من العلم )) (3) .

ويتضح لنا من كلام الإمام مالك ـ رحمه الله ـ المنهجية المثلى التي كان السلف رحمهم الله يتبعونها عند نظرهم واجتهادهم في الأحكام والواقعات من عدم التسرع في الفتوى أو التقصير في بحثها ، والنظر فيها ، أو قلة التحري والتشاور في أمرها ، مما يؤدي إلى انخرامٍ ظاهرٍ في نظام النظر والاجتهاد و الفتيا أو تسيبٍ واعتسافٍ في احترام هذا المقام العالي من الشريعة (4) . ومن أجل هذه الأهمية في المحافظة على هذا المقام والتأكيد على ما يحتاجه الفقيه من ضوابط وشروط للنظر لا سيما في النوازل المعاصرة التي يكثر فيها زلل الأقدام وانحراف الأفهام وذلك بما تميز به عصرنا من صراعات ثقافية وتيارات فكرية بالإضافة إلى كثرة المؤثرات النفسية والاجتماعية والسياسية مما يجعلها في عصرنا أشد من أي عصر مضى ، ويزداد أمر الانحراف في الاجتهاد والنظر خطرًا تبعًا لاتساع دائرة انتشار هذه الاجتهادات والفتاوى بواسطة وسائل الإعلام الحديثة من طبع ونشر وإذاعة وتلفزة .

إن الضوابط والآداب التي ينبغي أن يراعيها الناظر في النوازل وخصوصًا ما كان منها معاصرًا ، منها ما يحتاجه قبل الحكم في النازلة وهذا النوع من الضوابط يكون ضروريًا لإعطاء المجتهد أهلية كاملة وعدة كافية يتسنى بها الخوض للنظر والاجتهاد في حكمها ، وهناك ضوابط أخرى يحتاجها الناظر أثناء البحث والاجتهاد في حكم النازلة ، ينتج من خلال هذه الضوابط أقرب الأحكام للصواب وأوفقها للحق ؛ بإذن الله:

وسيكون البحث في هذا المطلب حول أهم الضوابط التي يحتاجها الناظر في النوازل قبل الحكم في النازلة ؛ على النحو التالي:

أولًا: التأكد من وقوعها

الأصل في المسائل النازلة وقوعها وحدوثها في واقع الأمر ، وعندها ينبغي أن ينظر المجتهد في التحقق من وقوعها والتأكد من حدوثها ، ومن ثمَّ استنباط حكمها الشرعي ، وقد يحصل أن يُسأل الفقيه المجتهد عن مسألة لم تقع تكلفًا من السائل وتعمقًا منه في تخيلات وتوقعات لا تفيد صاحبها ولا تنفع عالمًا أو متعلمًا ، وذلك لبعد وقوعها واستحالة حدوثها .

ولا يخفى أن التوغل في باب الاجتهاد إنما هو للحاجة التي تنزل بالمكلف يحتاج فيها إلى معرفة حكم الشرع وإلا وقع في الحرج والعنت أو الخوض في مسائل الشريعة بغير علم أو هدى ، أما إذا كان باب الاجتهاد مفتوحًا من غير حاجة وقعت ودون حادثة نزلت،فلا شك في كراهية النظر في مسائل لم تنزل أو يستبعد وقوعها (5) .ويؤيد ذلك ما جاء عن سلفنا الصالح من كراهية السؤال عمَّا لم يقع وامتناعهم عن الإفتاء ، فيها وبعضهم ذهب إلى التشديد في ذلك والنهي عنه (6) .

ويروى عن الصحابة في ذلك آثار كثيرة منها:-

-أن رجلًا جاء إلى ابن عمر رضي الله عنهما فسأله عن شيء ؛ فقال له ابن عمر رضي الله عنهما: (( لا تسأل عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يلعن من سأل عما لم يكن ) ) (7) .

-وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه إذا سأله إنسان عن شيء قال: (( آلله ! أكان هذا ؟ فإن قال: نعم ، نظر وإلا لم يتكلم ) ) (8) .

-وعن مسروق قال: كنت أمشي مع أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: فتىً: ما تقول يا عماه في كذا وكذا ؛ قال: يا بن أخي ! أكان هذا ؟ قال: لا ، قال: فاعفنا حتى يكون )) (9) .

-ويروى عن عبد الملك بن مروان ـ رحمه الله ـ أنه سأل ابن شهاب ـ رحمه الله ـ، فقال له ابن شهاب: أكان هذا بأمير المؤمنين ؟ قال: لا ، قال: فدعه ، فإنه إذا كان ، أتى الله عز وجل له بفرج )) (10) .

فهذه الآثار وغيرها كثير ؛ تبين حرص الصحابة والتابعين على عدم الخوض في مسائل لم تقع سواءً بالسؤال عنها أو بالجواب فيها ؛ لأن النظر فيها لا ينفع كما

هو معلوم عن الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال فيهم ابن عباس رضي الله عنهما: (( ما رأيت قومًا كانوا خيرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سألوا إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن ، وما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم ) ) (11) .

ويوضح ابن القيم ـ رحمه الله ـ مقصد ابن عباس بقوله: ( ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة ) (( المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبين لهم أحكامها في السنة لا تكاد تحصى ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعضل المسائل ، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها ، بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به ، فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه ، فأجابهم ، وقد قال الله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ *قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ] (12) )) (13) .

فعلى المجتهد أو المفتي في النوازل أن يتأكد من وقوع النازلة ولا ينظر في المسائل الغريبة والنادرة أو المستبعدة الحصول ، ولكن إذا كانت المسألة ولو لم تقع منصوصًا عليها ، أو كان حصولها متوقعًا عقلًا فتستحب الإجابة عنها ، والبحث فيها ؛ من أجل البيان والتوضيح ومعرفة حكمها إذا نزلت .

وفي هذا يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ بعد أن حكى امتناع السلف عن الإجابة في ما لم يقع: (( والحق التفصيل ، فإذا كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها وإن لم يكن فيها نص ولا أثر ؛ فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها .

وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد ، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم ولا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ، ويعتبر بها نظائرها ويفرع عليها فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى والله أعلم )) (14) .

ثانيًا: أن تكون النازلة من المسائل التي يسوغ النظر فيها

بينا فيما سبق أهمية مراعاة المجتهد وتأكده من وقوع النازلة وترك النظر عما لم يقع أو يستبعد وقوعه عقلًا وذلك حتى لا ينشغل أهل الاجتهاد عما هو واقع فعلًا أو ما لا نفع فيه ولا فائدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت