فهرس الكتاب

الصفحة 915 من 1226

فلقد قال الله _عز وجل_ آمرًا نبيه محمدا _صلى الله عليه وسلم_ في سورة مكية بمجاهدة الكفار بالقرآن قبل فرض الجهاد عليهم بالقتال؛ وذلك في سورة الفرقان حيث يقول الله _عز وجل_:"فلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا" (الفرقان:52) .

وقد مر بنا كلا م شيخ الإسلام _رحمه الله تعالى_:"والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة والرأي والتدبير والصناعة فيجب بغاية ما يمكن"ولا يعذر أحد من المسلمين في النفرة لهذا الجهاد كل بحسب علمه وقدرته؛ يقول ابن القيم _رحمه الله تعالى_:"ولله _سبحانه_ على كل أحد عبودية بحسب مرتبته، سوى العبودية العامة التي سوى بين عباده فيها: فعلى العالم من عبودية نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره."

وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به، والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير.

وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما.

ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله _صلى الله عليه وسلم_، وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين، هم أقل الناس دينًا والله المستعان، وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تُنتهك، وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يرغب عنها، وهو بارد القلب ساكت اللسان، شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟ وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم، فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المُتحزِّن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتذبل وجدّ واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب؛ فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل" (6) ."

السنة الثانية: سنة الابتلاء والتمحيص:

قال الله _عز وجل_:"الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون ولقد فتنا الذين من قبلهم ليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين َ" (العنكبوت:1،2)

وقال _تعالى_:"وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" (آل عمران: من الآية154) وقال _سبحانه وتعالى_:"مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيم" (آل عمران:179) .

يقول الإمام ابن كثير _رحمه الله تعالى_ عن الآية الأخيرة:"أي لا بد أن يعقد سببًا من المحنة يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر" (7) .

ويقول سيد قطب _رحمه الله تعالى_:"ويقطع النص القرآني بأنه ليس من شأن الله _سبحانه_ وليس من مقتضى ألوهيته، وليس من فعل سنته، أن يدع الصف المسلم مختلطًا غير مميز، يتوارى المنافقون فيه وراء دعوى الإيمان، ومظهر الإسلام، بينما قلوبهم خاوية من بشاشة الإيمان، ومن روح الإسلام؛ فقد أخرج الله الأمة المسلمة لتؤدي دورًا كونيًا كبيرًا، ولتحمل منهجًا إلهيًا عظيمًا، ولتنشئ في الأرض واقعًا فريدًا، ونظامًا جديدًا، وهذا الدور الكبير يقتضي التجرد والصفاء والتميز والتماسك، ويقتضي ألا يكون في الصف خلل، ولا في بنائه دخل، وبتعبير مختصر يقتضي أن تكون طبيعة هذه الأمة من العظمة بحيث تسامي عظمة الدور الذي قدره الله لها في هذه الأرض، وتسامي المكانة التي أعدها الله لها في الآخرة."

وكل هذا يقتضى أن يصهر الصف ليخرج منه الخبث، وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة، وأن تسلط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر، ومن ثم كان شأن الله _سبحانه_ أن يميز الخبيث من الطيب ولم يكن شأنه أن يذر المؤمنين على ما كانوا عليه قبل هذه الرجة العظيمة!" (8) ."

وبالنظر إلى ما يدور من الأحداث الخطيرة والمتسارعة في بلدان المسلمين اليوم - وذلك في الصراع بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر والنفاق سواء ما كان منه صراعًا عسكريًا جهاديًا باليد والسنان كما هو الحال في بلاد العراق وفلسطين وما صاحب ذلك من التداعيات أو ما كان منه صراعًا عقديًا وأخلاقيًا كما هو الحاصل في عامة بلدان المسلمين - أقول: بالنظر لهذا الصراع في ضوء سنة الابتلاء والتمحيص نرى أنه هذه السنة الربانية الثانية تعمل الآن عملها بإذن ربها _سبحانه وتعالى_ لتؤتي أكلها الذي أراده الله _عز وجل_ منها؛ ألا وهو تمحيص المؤمنين وتمييز الصفوف حتى تتنقى من المنافقين وأصحاب القلوب المريضة؛ وحتى يتعرف المؤمنون على ما في أنفسهم من الثغرات والعوائق التي تحول بينهم وبين التمكين لهم في الأرض فيتخلصوا منها ويغيروا ما بأنفسهم، فإذا ما تميزت الصفوف وتساقط المتساقطون في أبواب الابتلاء وخرج المؤمنون الصادقون منها كالذهب الأحمر الذي تخلص من شوائبه بالحرق في النار حينها تهب رياح النصر على عباد الله المصطفين الذين يستحقون أن يمحق الله من أجلهم الكافرين ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وقبل هذا التمحيص والتمييز فإن سنة محق الكافرين وانتصار المسلمين التي وعدها الله _عز وجل_ عباده المؤمنين لن تتحقق. هكذا أراد الله _عز وجل_ وحكم في سننه التي لا تتبدل: أن محق الكافرين لا بد أن يسبقه تمحيص المؤمنين، ولذلك لما سئل الإمام الشافعي _رحمه الله تعالى_: أيها أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى كان من دقيق استنباطه وفهمه لكتاب الله _عز وجل_ أن قال:"لا يمكن حتى يبتلى"، ولعله فهم ذلك من قوله _تعالى_:"وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ" (آل عمران:141) .

وللتدليل والتأكيد على أن مجتمعات المسلمين تعيش اليوم حالة شديدة من الابتلاء والتمحيص والفتنة في هذه النوازل: أذكر بعض المواقف التي أفرزتها هذه السنة - أعني سنة الابتلاء والتمحيص - في خضم هذه الفتن المتلاطمة ولم يكن لهذه المواقف أن تعرف ويعرف أهلها قبل حصول هذه الفتن، وقد ظهرت هذه المواقف مع أننا في أول السنة وبداية الابتلاء فكيف يكون الحال في آخر الأمر نعوذ بالله أن نرجع على أعقابنا أو أن نفتن، وفي ذكر هذه المواقف نصيحة وتحذير لنفسي ولإخواني المسلمين من الوقوع فيها أو المبادرة بالخروج منها لمن وقع فيها.

الموقف الأول: موقف المنافقين والمرجفين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت