هذه السنن لابد للمسلم أن يلاحظها، وأن يرعاها حق رعايتها. وبخاصةٍ ما كان فيها من السنن الشرعية. هنالك سنن شرعية وهنالك سنن كونية. وقد يقال اليوم- في العصر الحاضر- سنن طبيعية، هذه السنن الكونية الطبيعية يشترك في معرفتها المسلم و الكافر، و الصالح والطالح بمعنى؛ ما الذي يقوّم حياة الإنسان البدنية ؟ الطعام والشراب والهواء النقي و نحو ذلك. فإذا الإنسان لم يأكل ،لم يشرب، لم يتنفس الهواء النقي، فمعنى ذلك أنه عرَّض نفسه للموت موتًا ماديًا. هل يمكن أن يعيش إذا ما خرج عن اتخاذه هذه السنن الكونية ؟
الجواب لا: (سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ) هذا -كما قلت آنفًا -يعرفه معرفة تجريبية كل إنسان؛ لا فرق بين المسلم و الكافر والصالح والطالح. لكن الذي يهمنا الآن أن نعرف أن هناك سننًا شرعية يجب أن نعلم أن هناك سننًا شرعية، من اتخذها وصل الى أهدافها و جنى منها ثمراتها، ومن لم يتخذها فسوف لن يصل إلى الغايات التى وُضعت تلك السنن الشرعية لها؛ تمامًا - كما قلنا - بالنسبة للسنن الكونية إذا تبنَّاها الإنسان و طبقها، و صل إلى أهدافها.
كذلك السنن الشرعية إذا أخذها المسلم؛ تحققت الغاية التي وضع الله تلك السنن من أجلها - من أجل تحقيقها - و إلا فلا. أظن هذا الكلام مفهوم و لكن يحتاج إلى شئٍ من التوضيح، وهنا بيت القصيد وهنا يبدأ الجواب عن ذاك السؤال الهام. كلنا يقرأ آية من آيات الله عز وجل بل إن هذه الآية قد يُزيّن بها صدور بعض المجالس أو جدر بعض البيوت وهي قوله تعالى {إن تنصروا الله ينصركم } [2] -لافتات - توضح وتكتب بخط ذهبي جميل رُقعي أو فارسي 000إلى آخره، وتوضع على الجدار، مع الأسف الشديد هذه الآية أصبحت الجدر مزينة بها، أما قلوب المسلمين فهي خاوية على روشها، لا نكاد نشعر ما هو الهدف الذي ترمي إليه هذه الآية {إن تنصروا الله ينصركم} ولذلك أصبح وضع العالم الإسلامي اليوم في بلبلة وقلقلة لا يكاد يجد لها مخرجًا، مع أن المخرج مذكور في كثير من الآيات، وهذه الآية من تلك الآيات، إذا ما ذكّرنا المسلمين بهذه الآية فأظن أن الأمر لا يحتاج إلى كبير شرح وبيان وإنما هو فقط التذكير و { الذكرى تنفع المؤمنين} .
كلنا يعلم -إن شاء الله - أن قوله تبارك وتعالى {إن تنصروا الله} شرطٌ، جوابه {ينصرْكم} إن تأكل إن تشرب إن إن... الجواب تحيا، إن لم تأكل إن لم تشرب، ماذا؟ تموت ؟.
كذلك تمامًا المعنى في الآية {إن تنصروا الله ينصركم} المفهوم - وكما يقول الأصوليون -: مفهوم المخالفة، إن لم تنصروا الله لم ينصركم؛ هذا هو واقع المسلمين اليوم.
توضيح هذه الآية جاءت في السنة في عديد من النصوص الشرعية، وبخاصةٍ منها الأحاديث النبوية. {إن تنصروا الله} معلوم بداهة أن الله لا يعني أن ننصره على عدوه بجيوشنا وأساطيلنا وقواتنا المادية؛ لا ! إن الله عز وجل غالب على أمره، فهو ليس بحاجة إلى أن ينصره أحد نصرًا ماديًا - هذا أمر معروف بدهيًا - لذلك كان معنى {إن تنصروا الله} أي إن تتبعوا أحكام الله، فذلك نصركم لله تبارك وتعالى.
والآن هل المسلمون قد قاموا بهذا الشرط ؟ قد قاموا بهذا الواجب -أولًا ؟ ثم هو شرط لتحقيق نصر الله للمسلمين - ثانيًا -؟
الجواب: عند كل واحدٍ منكم، ما قام المسلمون بنصر الله عز وجل. وأريد أن أذكر هنا كلمةً؛ أيضًا من باب التذكير وليس من باب التعليم، على الأقل بالنسبة لبعض الحاضرين. إن عامة المسلمين اليوم قد انصرفوا عن معرفتهم، أو عن تعرفهم على دينهم ،- عن تعلمهم لأحكام دينهم -، فأكثرهم لا يعلمون الإسلام، وكثيرٌ أو الأكثرون منهم، إذا ما عرفوا من الإسلام شيئًا، عرفوه ليس إسلامًا حقيقيًا؛ عرفوه إسلامًا منحرفًا عمّا كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه. لذلك فنصر الله الموعود به من نصر الله يقوم على معرفة الإسلام أولًا معرفةً صحيحة، كما جاء في القرآن والسنة، ثم على العمل به - ثانيًا -، وإلا كانت المعرفة وبالًا على صاحبها، كما قال تعالى: {يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} [3] . إذًا نحن بحاجة إلى تعلم الإسلام ،وإلى العمل بالإسلام.
فالذي أريد أن أذكّر به - كما قلت آنفًا - هو أن عادة جماهير المسلمين اليوم أن يصبّوا اللوم كل اللوم بسبب ما ران على المسلمين قاطبةً من ذلٍ وهوان على الحكام، أن يصبوا اللوم كل اللوم على حكامهم الذين لا ينتصرون لدينهم، وهم - مع الأسف - كذلك؛ لا ينتصرون لدينهم، لا ينتصرون للمسلمين الُمَذلّين من كبار الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، هكذا العُرفُ القائم اليوم بين المسلمين ! صب اللوم كل اللوم على الحكام، ومع ذلك ! أن المحكومين كأنهم لا يشملهم اللوم الذي يوجهونه إلى الحاكمين ! والحقيقة أن هذا اللوم ينصب على جميع الأمة حكّامًا، و محكومين. و ليس هذا فقط بل هناك طائفة من أولئك اللائمين للحكام المسلمين بسبب عدم قيامهم بتطبيق أحكام دينهم، و هم محقون في هذا اللوم ،ولكن! قد خالفوا قولة تعالى {إن تنصروا الله} . أعني نفس المسلمين اللائمين للحاكمين حينما يخصونهم باللوم قد خالفوا أحكام الإسلام؛ حينما يسلكون سبيل تغيير هذا الوضع المحزن المحيط بالمسلمين بالطريقة التى تخالف طريقة الرسول صلى الله عليه و على آله و سلم. حيث إنهم يعلنون تكفير حكام المسلمين- هذا أولًا - ! ثم يعلنون وجوب الخروج عليهم -!
ثانيًا - ! فتقع هنا فتنة عمياء صماء بكماء بيد المسلمين أنفسهم؛ حيث ينشق المسلمون بعضهم على بعض فمنهم هؤلاء الذين أشرت إليهم الذين يظنون أن تغيير هذا الوضع الذليل المصيب للمسلمين إنما تغييره بالخروج على الحاكمين، ثم لا يقف الأمر عند هذه المشكلة، وإنما تتسع وتتسع حتى يصبح الخلاف بين هؤلاء المسلمين أنفسهم ! ويصبح الحاكم في معزلٍ عن هذا الخلاف.
بدأ الخلاف من غلوّ بعض الإسلاميين في معالجة هذا الواقع الأليم أنه لابد من محاربة الحكام المسلمين لإصلاح الوضع !، وإذا بالأمر ينقلب إلى أن هؤلاء المسلمين يتخاصمون مع المسلمين الآخرين الذين يرون أن معالجة الواقع الأليم ليس هو بالخروج على الحاكمين، وإن كان كثيرون منهم يستحقون الخروج عليهم ! بسبب أنهم لا يحكمون بما أنزل الله؛ ولكن هل يكون العلاج -كما يزعم هؤلاء الناس - هل يكون إزالة الذي أصاب المسلمين من الكفار أن نبدأ بمحاكمة الحاكمين في بلاد الإسلام من المسلمين ؟- ولو أن بعضهم نعتبرهم مسلمين جغرافيين كما يقال في العصر الحاضر - هنا نحن نقول: أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتملْ ما هكذا يا سعدُ تُورَد ُالإبلْ.
مما لا شك فيه أن موقف أعداء الإسلام أصآلةً وهم اليهود والنصارى والملاحدة من خارج بلاد الإسلام؛ هم أشد بلا شك ضررًا من بعض هؤلاء الحكام الذين لا يتجاوبون مع رغبات المسلمين أن يحكموهم بما أنزل الله فماذا يستطيع هؤلاء المسلمون ؟ وأعني طرفًا أو جانبًا منهم وهم الذين يعلنون وجوب محاربة الحاكمين من المسلمين، ماذا يستطيع أن يفعل هؤلاء لو كان الخروج على الحكام واجبًا قبل البدء بإصلاح نفوسنا نحن ؟!.