وفي الصحيحين ( البخاري:2617 ومسلم:2190 من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .) كذلك أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها .
* وأهدي أكيدر دومة الجندل إلى النبي صلى الله عليه وسلم حلة . ( البخاري معلقا:2616 ومسلم متصلا من حديث أنس رضي الله عنه .) .
* وانظر ترجمة مارية رضي الله عنها ( أم إبراهيم عليه السلام وسرية رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإصابة ) فقد ذكر هناك أن المقوقس أهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
* وأيضا فإن إبراهيم الخليل عليه السلام لما دخلت زوجته سارة على الجبار الكافر ورد الله يده وكبته الله أهداها هذا الكافر هاجر رضي الله عنها.
(البخاري:2635 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هاجر إبراهيم بسارة فأعطوها آجر فرجعت فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة ؟! والحديث مطول في مواطن أخر من الصحيح.
* وكذلك فالإهداء للمشركين جائز ، قال تعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) . {الممتحنة:8 ـ9} .
* وفي الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي يكر رضي الله عنها ، قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال: ( نعم صلي أمك ) . أخرجه البخاري:2620 ـ5978 وهناك قال ابن عيينة فأنزل الله تعالى فيها: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين .. .. ) . {الممتحنة:8 ـ 9} وأخرجه مسلم:3/41 .
* وأهدي عمر حلة لأخ له مشرك بمكة قبل أن يسلم أخوه (انظرالبخاري:2619) .
* لكن إذا كان هذا الكافر سيتقوى بهذه الهدية على المسلمين ويؤذيهم ويتمرد عليهم ويتجبر فحينئذ لا يهدي إليه و لا كرامة.
* وأخرج الترمذي:1943 وأبو داود:5152 والبخاري في الأدب المفرد:105 بإسناد صحيح من طريق مجاهد أن عبد الله بن عمرو ذبت له شاة في أهله فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي ؟ أهديتم لجارنا اليهودي ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) .
وهناك هدايا لا ترد:
منها: الطيب؛ ففي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب . (البخاري:2582) .
* وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الريح ) . أخرجه مسلم:2253 من حديث أبي هريرة رضي الله مرفوعا .
موانع الإهداء ومتى لا تقبل الهدية
فهذه النصوص التي قدمناه نصوص تحث عل الإهداء وقبول الهدية ، ولكن قد تأتي موانع تمنع من الإهداء من قبول الهدية .
ألا ترى أن ملكة سبأ أهدت لسليمان عليه السلام هدية فردها سليمان ، مع أن إبراهيم عليه السلام قبل هاجر لما أهديت إلى زوجته ، وقد قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الهدية ، فلما قبل نبينا الهدية وردها سليمان عليه السلام ؟!
ردها سليمان عليه السلام لما كانت رشوة عن الدين ، فالمرأة أرسلت الهدية إلى سليمان كي يقرها على عبادنها للشمس ويسكت عنها، ولم يكن لسليمان ذلك ، وخاصة أنه في مركز قوة واستغناء فمن ثم ردها لما كانت رشوة عن الدين .
قال الله تعالى: ( وإني مرسلة بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنت بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنه منها وهم صاغرون ) {النمل:35 ـ37 } .
فإذا كانت الهدية بمثابة الرشوة لإيطال الحق وإثبات الباطل فلا تقبل حينئذ.
* وكذلك إذا كانت الهدية للأمراء والوزراء والمسئولين ( كالقضاة والشرط ونحوهم .. ) كي يعطوك شيئا ليس لك من حقك أو يتجاوزوا لك عنشيء لا ينبغي لهم أن يتجاوزوا عنه فحينئذ يحرم عليك الأهداء ويحرم عليهم قبول الهدية ، وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم لفظا شديدا في الزجر في هذا الباب ففي الصحيحين (البخاري:2597 ومسلم:1832) من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن التبية على الصدقة ، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي . قال: ( فهلا جلس في بيت أبيه ـ أو بيت أمه ـ فينظر أيهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منكم شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر ـ ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه ـ اللهم هل بلغت ، اللهم هل بلغت . ثلاثا ) .
* ومن ثم روى البخاري معلقا (مع الفتح:5/260 ،قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وصله ابن سعد بقصة فيه ، فروى من طريق فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلميجد في بيته شيئا يشتري به فركبنا معه فتلقاه غلمان الدبر بأطباق تفاح فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق فقلت له في ذلك:لا حاجة لي فيه ، فقلت: ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ؟ فقال: إنها لأةلئك هدية ، وهي للعمال بعدهم رشوة)
عن عمربن عبد العزيز: كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية واليوم رشوة .
* وأخرج عبد الرزاق في المصنف بإسناد صحيح لغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: السحت الرشوة في الدين . قال سفيان: يعني الحكم. (المصنف:14664 ) ،وانظر السنن الكبرى للبيهقي (10/139) .
* وأخرج أبو داود وغيره بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي ) .
أخرجه أبو داود (3580 ) والترمذي (مع التحفة4/567 ) وابن ماجه (2/755 ) .قال كثير من أهل العلم: إن الراشي هو معطي الرشوة والمرتشي هو آخذها والرائش هو الذي يسعى بينهما ، وقالوا: الرشوة ما يعطى لإبطال حق او لإحقاق باطل ، أما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلما فلا بأس به .
انظر ما ذكره المباركفوري في (تحفة الأحوذي) وكذلك شمس الحق العظيم أبادي في (عون المعبود) ، وكذلك الخطابي في ( معالم السنن ) وغيرهم.
* وكذلك إذا كانت الهدية شيئا مسروقا أو شيئا محروا فلا تقبل لما في ذلك من أكل الحرام والمعاونة على الإثم والعدوان .
وفي مسند الإمام أحمد أن المغيرة بن شعبة صحب قوما من المشركين فوجد منهم غفلة فقتلهم وأخذ اموالهم فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها . (المسند:4/246 من طريق أبي معاوية ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن المغيرة ابن شعبة . وفي رواية أبي معاوية عن هشام مقال ، لكن للحديث شاهد في البخاري ففبه {2731،2732} .. وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم:( أم الإسلام فأقبل وأما لمال فلست منه في شيء ) .
* وكذلك إذا كانت الهدية إنما أهداها صاحبها لأخذ أكثر منها وإن لم يأخذ أكثر منها يتسخط ، فإذا عرف من عادته هذا فللك ـ والله أعلم ـ أن تتوقف في قبول هديته .