عندما تكون هناك فئة تلعبُ بالسوق ، ترفعُ الأسعار وتخفِضها باتفاقات خفية ، أليس هذا محرم شرعا .؟ إنه حرام ولا شك ، والمكاسب من وراء هذه الألاعيب حرام ، واللذين يقومون بها إنما يأكلون المال السحتَ الذي يوردهم النار ، وتسمع من يقول: إن التجارة شطارة ، ويا سبحان الله ، أتكمن الشطارة في إيقاع الآخرين في الخسائرِ والتغريرِ بهم وخداعِهم ، وقد صدقوا إذْ قالوا: إن التجارة شطارة ، فإن الشاطر في اللغة هو اللئيم الخبيث قاطعُ الطريق ، إن هذا التلاعب الذي شهده السوق في الأسابيع الماضية سبّب انهياراتٍ مالية ، وتخضم مالي كبير بغير مبرر ، وإن استغلال الغفلة التي يتصف بها بعض المساهمين ليست من الإسلام والمروءة في شيء ، ولذلك تكلم المتقولون في هذا الجانب بعلم وبغير علم ، وصار كثيرونَ خبراءَ في السوق يُدْلون بآرائهم ويكتبون في المنتدياتِ ويرسلون عبر الجوالاتِ ويعلّقون في الجرائد والصحف ، وكثيرون سمّاعون لهم ممن يجهلون حقائقَ الأمور ، وبناء على أقوالهم يبيعون ويشترون ، وعصاباتٌ تغدوا وتروح في سخط الله جل وعلا ، والنتيجة ضحايا من المسلمين ، لا شك أن مثل هذا الوضع مخزي ومردي ومهلك ، وهذه النتائج التي رأيناها في الشاشات من الخسائر هي نتيجةُ خلو البركة بسبب هذه الألاعيب ، إنها ليست خسائر طبيعيةٌ لكي نقول لأولئك المساهمين: ارضوا بالقضاء والقدر وهذا هو حال التجارة ، ربحٌ وخسارة ، ولا شك .. فإنه يجب الرضا بالقضاءِ والقدر في جميع الحالات ، ولكن أن يكون من وراء هذا تلاعبٌ واحتيالٌ ونصبٌ وخديعةٌ وإضرارٌ بأموال المسلمين ثم يقال: هذه تجارة ، كلا والله ، وهؤلاء اللذين اقترضوا بالربا ثم دخلوا في هذه المساهمات ، فقد ابتلاهم الله وعاقبهم بهذه الخسائر الفادحة ، لأنه لما انهار السوق ، أرادوا الخروج بأي طريقة كانت فما استطاعوا ما اهتدوا إلى ذلك سبيلا ، لأن الطلب على الشراء صفر ، والعرضَ هائل ، وهو يرى أرباحه تتآكل على الشاشة واللونُ الأحمر يستمر ويستمر ، ليصل التآكلُ إلى رأس المال ، ثم بعد ذلك يُطرد من السوقِ شرَّ طِرْدة ، وعليه حينها فإنه ولابد من تسديد الربا بالإضافة إلى المبلغ الأصلي الذي أثقل كاهله به ، وعندما يعطي البنك ما يسمى بالتسهيل المالي مقابلَ مبلغٍ معين يودعه هذا المضاربُ في البنك فيقول له مثلا: تودع مائة ألف لتضارب بها وأزيدك عليها مائة ألف ، فإذا بدأ يخسر في أسهمه إلى المائة الألف التي أخذها من البنك طرده البنك وباع أسهمه رغما عنه حتى يضمن البنك حقه ، ولا بد من تسديد البنك بعد ذلك ، وأصبح أناس بين عشية وضحاها ضحايا ركبتهم أنواع من الهموم والغموم والديون ، ولذلك صار من أحسن المشاريع علاجا لمن أصبح ضحية هذا الانهيار: العيادات النفسية ، فقام سوق الجلطاتِ وأمراضُ الضغطِ والسكري ومراجعةُ المستشفيات وسياراتُ الإسعاف وحالاتُ الهلوسة ، وأصبح من الناس من يكلم نفسه كالمجنون ، وهذا الذي يصلي أمام الشاشات إدمانا لها ، وثلاثة عشرة جلطة أصابت ثلاثة عشر شخصا ، وازدهر سوق المستشفيات وعلت الناس النوباتُ والسكتات القلبية ، وكل ذلك بسبب الأسهم وصدق الله"إن الإنسان خلق هلوعا ، إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا"إنه أمر ظاهر في سوق الأسهم اليوم ، هم وغم ونكد ، وضيق صدر وهلع ، وتسمع الأخبار العجيبة من أحوال الناس وما آلت إليه أمورهم ، ثم سوءٌ عجيب حصل في العلاقات الزوجية بسبب تتبع البورصة بحسب حال الألوان ، فاصطبغت الحياة بألوان المؤشرات وانعكست تلك الألوان على الأمزجة والعقول والنفوس فحصل الطلاق والفرقةُ وهدمُ البيوت وتشتت الأبناء وعانت الأمهات وتفرقت الأسرة ، فأي حال هذه التي ألقى بها هؤلاء أنفسَهم فيها ، طيشان العقولِ عند نزول المؤشرات وهذه التأثيرات النفسية البالغة على النفوس والأرواح ، إنها كارثة خطيرة تجتاح المجتمع ، لا بد أن يتصدى لها أهل العلم والأخصائيون والاجتماعيون وعقلاءُ المجتمع ، فالمسألة ليست بهذه السهولة ، لأنها تحتاج إلى تأملات واستيضاح ،
عباد الله:
مهما ارتفع المؤشر فلا بد أن يهبط ، وهذا هو مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم"حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" [ رواه البخاري ] احفظوا هذا الحديث جيدا"حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه"وهذا أمر ثابت عند الله تعالى أن لا يرتفع شيء من أمور الدنيا إلا وضعه الله وحطّه وطرحه ، وذلك لهوان الدنيا على الله والتنبيه على ترك المباهاة والمفاخرة فيها وحتى يتعلم الناس أنها لا تدوم .
اللهم إنا نسألك العفو والعافية ، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فا ستغفروه إنه غفور رحيم .
الخطبة الثانية
إن هذا السوق المليء بالخديعة والتلاعب والتدليس والكذب والحيل هو في حقيقة الأمر سوق ملوثة ، والتلويث أصلا واقع في كثير من الشركات المحرمة لحرمتها بالإضافة إلى تلاعب مساهميها بين فينة وأخرى فيها ، ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن تتضح عباد الله: الحكمة في مثل هذه الأمور ، وإن من الحكمة انتهاز فرصةِ الاكتتاب في الشركات المباحة التي ينصّ على حلّها العلماء ومن لهم رسوخ علمي في هذا المجال ، فإن مثلَ هذا التصرفِّ فيه انتهازُ للفرص واستثمارٌ في تلك الشركات ، لكن أن يبعَ بعضُ الناس البيوت والسيارات وتبيعُ بعض النساء ما لديها من ذهب ومجوهرات لأن من النساء من شملتها حمى الأسهم ، فيبقى المسلمُ بلا بيت يأوي فيه قد كان يوما من الأيام يملكه ، ويتحمل عناء ومشقة بلا مركب قد كان يوما من الأيام يركبه ، ويبيعُ أمورا من حاجاته المعيشيةِ الأساسية التي هي من صلب الحياة اليومية ليدخل في سوق يضارب فيه وهذه حال اضطرابه وانهياره فهذا ليس من الحكمة في شيء ، ومن الناس من يقترض بالحرام ليدخل في السوق الملوث ، والدخولُ في تجارةٍ كهذه بأموال حرام ، لا يبارك الله فيها ، ولذلك خسر الكثير من هؤلاء في هذا الانهيار فلا ربحوا من جهة المضاربة ولا استفادوا من هذا القرض ، عباد الله:
كان من القواعد العمرية التي سنّها أمير المؤمنين عمرُ رضي الله عنه في حياته: أن لا يدخلَ في السوق إلا من يفقه ، وعلى هذا فإنه ولا بد من تعلم الأحكام التي تتعلق بالأسهم لمن يريد الدخولَ في سوقها ، وهذه طائفة منها:
أولا: المساهِمُ في أي شركةٍ يملِكُ حصّةً شائعةً في كلِّ موجوداتِ الشركة ، وشهادةُ السهم وثيقةٌ تُثبتُ حقه في تلك الحِصّة .
ثانيا: شراءُ أسهمِ الشركات التي تُمِارس نشاطا محرما كالربا وإنتاجُ المحرمات والمتاجرةِ بها حرام قطعا.
ثالثا: شراءُ أسهمِ الشركاتِ التي تمارسُ الأنشطةَ المباحةَ كالزراعة والصناعة والخدمات المباحةِ هي حلال من جهة الأصل .
رابعا: الشركاتُ التي لها أصلٌ مباحٌ ، لكنها تتعامل في بعض الأوضاع بالحرام كالاقتراض بالربا وهي ما يسمى بالشركات المختلطة فأكثر العلماءِ الثقاتِ المعاصرين وفتاوى المجاميع الفقهية على تحريمها .