فهرس الكتاب

الصفحة 856 من 1226

إذا افترضنا أن الشجرة تنمو كل شهر ، بمعنى أنه في كل شهر ينضم شخصان لكل شخص في الهرم ( كما هو افتراض الشركة في موقعها ) ، فهذا يعني أن العمولة التي يحصل عليها العضو تصل إلى أكثر من خمسة وعشرين ألف دولار في الشهر الثاني عشر ، ويستمر التضاعف في كل شهر

وهذا مصدر الإغراء في هذا النوع من البرامج ، فمقابل مبلغ زهيد لا يتجاوز 100 دولار ، يحصل المشترك على مئات بل آلاف أضعاف المبلغ .

ولذلك تسوّق هذه الشركات برامجها من خلال وعود بالثراء الفاحش في مدة يسيرة من خلال النمو المضاعف للهرم .

السؤال: ما حكم هذه المعاملة خاصة أنها انتشرت بصورة واضحة وتعددت الأقوال فيها ؟.

الجواب:

الحمد لله

الكلام على مثل هذه المعاملات التي يسرع انتشارها ويكثر غموضها والتباسها على العامة ، ويشتد إغراؤها لا بد فيه من أمرين:

الأول: بيان الحكم الشرعي المبني على النصوص والقواعد الشرعية ، وعلى تصور المسألة من حيث حقيقتها ونتائجها وتاريخها .

الثاني: علاج النفس وتوطينها على الأخذ بالحكم الشرعي وعدم التعلق بالشُّبه .

ونظرًا لحاجة المسألة إلى إطالة النفس فيها فسنقدِّم بجواب مختصر للسؤال يتلوه ذكر للقواعد الشرعية في هذا المقام وتفصيل للجواب .

الجواب المجمل على السؤال:

بالنظر إلى صورة هذه المعاملة ( بزناس ) وحقيقتها ، وما ذكره مندوبو هذه الشركة من معلومات وشروط عنها ، وكذلك ما ذكره المتكلمون عنها من أدلة وشروط للمنع منها أو إباحتها.

وبعرض كل هذا على نصوص القرآن والسنة وقواعد الشريعة في أبواب المعاملات وأٌقوال العلماء يتبين أن هذه المعاملة محرّمة ، لعدة وجوه أهمها:

1.أن هذه المعاملة مبنية على الميسر وأكل أموال الناس بالباطل وتحوي تغريرًا وخداعًا للناس وإطماعًا لهم في المال واستغلالًا لغريزة حب الإكثار منه عندهم . وقد قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) المائدة / 90 ، وقال: ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) البقرة / 188 ، وقال عليه الصلاة والسلام: ( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ) مسلم ( 2137 ) وهذا التشبيه في الحديث يجعل هذا التحريم مغلظا جدا .

2.يتبيّن بعد النظر الفاحص أن إدخال السلعة ـ وهي البرامج والموقع والبريد ـ في هذه المعاملة لا يغيِّر من حكمها ، لوضوح كون هذه السلعة ليست مقصودة من قِبَل معظم المتهافتين على الشراء . وإذا ثبت هذا بالقرائن المذكورة في تفصيل الجواب فإن دخول السلعة بهذا الشكل لا يزيدها إلا حرمة لاشتمالها على التحايل المؤدِّي إلى معاملة محرمة من معاملات الميسر .

3.المعاملة ليست من قبيل السمسرة المباحة من أوجه متعددة منها: اشتراط دفع مال للدخول فيها بخلاف السمسرة فإنه لا يشترط فيها ذلك ، وكذلك فإنه ليس المقصود فيها بيع سلعة لمن يحتاجها وإنما بناء نظام حوافز شبكي . ولو سُلِّم جدلا بأنها سمسرة فإنها محرمة لاشتمالها على التغرير بالمشتري وتمنيته بالباطل وعدم نصحه وعليه فلا يصحُّ قول من أباحها على أنها سمسرة ، ولعل ذلك لأن المسألة لم تعرض لهم على حقيقتها ، أو لم يتصوَّروها تصوُّرا صحيحا .

وهذا الحكم منسحب في مجمله على كثير من المعاملات الموجودة الآن والتي تشابهها مما يطرح في السوق الآن .

ومن أراد الاستزادة فليراجع تفاصيل النقاط في الجواب المفصَّل وما يسبقه من قواعد عامة .

الجواب المفصَّل:

قبل تفصيل الإجابة على هذا السؤال وتحقيقًا لأمر توطين النفس على قبول الحكم الشرعي لا بدَّ من التقديم ببعض القواعد الشرعية ونحوها التي تعين المسلم ـ المذعن لحكم الله ـ على التعامل باطمئنان وثقة وانشراح مع هذه المعاملة ومع أمثالها من المعاملات التي تفتقت عنها وستتفتق عنها عقول بعض أصحاب المشروعات التجارية ، لاسيما مع توفر خمسة عوامل رئيسية لانتشار مثل هذه المعاملات . هي:

1-ذيوع وسائل الاتصال والدعاية والإعلان .

2-سهولة التواصل المالي عبر البطاقات ونحوها .

3-تزايد الحاجة للمال عند عامة الناس ، بسبب الإغراق في الكماليات .

4-وجود أصل غريزة الطمع وحب المال في النفس البشرية .

5-ضعف التدين وقلة تحرِّي الحلال عند كثير من المسلمين .

وفيما يلي عدة قواعد تعين على التعامل مع هذه المعاملة وما ظهر وما سيظهر من مثيلاتها ينبغي الانتباه لها والاهتمام بها:

1-فتنة المال من أعظم الفتن التي تؤثر على الإنسان في دينه وفي بركة ما عنده من مال وولد فينبغي الحذر والتحرِّي في حلِّ مصادره أشد التحري .

2-اتقاء الأمور المشتبهات ، قاعدة مقررة في الشريعة حتى لو لم يُسلِّم الإنسان بتحريم الأمر المشتبِه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلَّم: ( الحلال بيِّن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) البخاري ( 52 ) مسلم ( 1599 ) .

3- ( ما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه ، وما لا فلا تُتْبعه نفسَك ) رواه البخاري ( 138 ) مرفوعا ، أي لا تجعل نفسك تتعلق بالمال الذي ليس في يدك دفعًا لما يحصل في النفس من حزن وحسرة إذا لم تحصُل عليه . والنهي عن التعلُّق في هذا الحديث ورد في الكلام عن العطية وهي هدية مباحة في أصلها فكيف بالتعلُّق بالأموال المشتبهة ؟ بل كيف بالتعلُّق بالأموال المحرمة ؟ ، فلا بدَّ أن يكون أكثر أثرا سلبيا في النفس وأشد في المنع .

4- ( من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه ) رواه أحمد وصححه الألباني ، وهذا يعمُّ مَنْ تَرَك الحرام ومن ترك المشتبه فيه .

5-البَرَكة في المال وإن قلَّ أعظم وأولى بالبحث من كثرته من طريق محرم أو مشكوك فيه .

6-على المسلم أن يكون صادقا مع نفسه تمام الصدق في معرفة مقصده من مثل هذه المعاملات هل هو الرغبة في الوصول للمال والسلعة حيلة لإضعاف لوم النفس والناس، أم أن السلعة مقصودة أساسا ؟ وأن يعلم أن ما يخفيه من مقاصده معلوم عند الله الذي يعلم السر وأخفى ، وأنه سبحانه سائله ومحاسبه عن ذلك .

7-الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، وإخفاء بعض المعلومات عن المفتي لا يبيح الأخذ بفتواه ، ولا يعذر الآخذ بها ما دام يعلم أن المفتي لم تعرض عليه الصورة كاملة ، ولم يطَّلع على حقيقة المسألة .

8- ( البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك ) رواه أحمد ( 17320 ) وقال الألباني في صحيح الترغيب 1734 حسن لغيره .

9-آكِل المال الحرام إذا كان معترفا بوقوعه في الحرمة أخف جرما ممن يأكله مستعملا الخديعة والتدليس والحيل ؛ لأن الثاني قد أضاف إلى أكله للحرام ذنبا آخر وهو مخادعة الله . قال ابن القيم: ( فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة في المفسدة التي حرمت لأجلها مع تضمنه لمخادعة الله تعالى ورسوله ونسبة المكر والخداع والغش والنفاق إلى شرعه ودينه وأنه يحرم الشيء لمفسدة ويبيحه لأعظم منها ولهذا قال أيوب السختياني يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون ) إغاثة اللهفان 1/354 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت