قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف...
قال: وكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف"."
وفي بعض النسخ:"فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف" (37) .
وجه الدلالة من الحديث: أن الزبير - رضي الله تعالى عنه - كان قد قبل تلك الأموال على أنها قرض مضمون لا وديعة مع عدم حاجته إليها، بل كان - رضي الله تعالى عنه - من أكثر الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - مالًا؛ فدل على أنه لا يشترط في القرض قصد الإرفاق بالمقترض، ولا أن كونه فقيرًا أو محتاجًا.
قال ابن حجر - رحمه الله تعالى:"قوله:"لا، ولكنه سلف"أي ما كان يقبض من أحد وديعة إلا إن رضي صاحبها أن يجعلها في ذمته، وكان غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع؛ فيُظن به التقصير في حفظه؛ فرأى أن يجعله مضمونًا فيكون أوثق لصاحب المال وأبقى لمروءته."
زاد ابن بطال: وليطيب له ربح ذلك المال" (38) ."
وقال ابن حجر:"وفيه مبالغة الزبير في الإحسان لأصدقائه؛ لأنه رضي أن يحفظ لهم ودائعهم في غيبتهم، ويقوم بوصاياهم على أولادهم بعد موتهم، ولم يكتف بذلك حتى احتاط لأموالهم وديعة أو وصية بأن كان يتوصل إلى تصييرها في ذمته مع عدم احتياجه إليها غالبًا، وإنما ينقلها من اليد للذمة مبالغة في حفظها لهم" (39) .
2 -مسألة السفتجة (40) ، وهي قرض لم يقصد به الإرفاق، ومع ذلك فهي جائزة على الصحيح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"والصحيح الجواز؛ لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض؛ فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه، وإنما نهى عما يضرهم ويفسدهم، وقد أغناهم الله عنه، والله أعلم" (41) .
3 -ما ذكره العلماء من أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد آخر ليربح خطر الطريق، قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى:"والصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها" (42) .
ومن المعلوم أن الغاية من إقراض مال اليتيم الرفق باليتيم لا بالمقترض، ومصلحة اليتيم لا مصلحة المقترض، والمراد والمقصود الإيداع والحفظ غير أن الوديعة لا تضمن؛ ففضل الإقراض لغني أمين حتى يحفظ المال لصالح اليتيم لا لصالح الغني (43) .
وبهذا يتبين أنه لا يشترط في القرض أن يكون إرفاقًا من غني لمحتاج، وإن كان الأصل فيه كذلك.
الإشكال الثاني: إن اعتبار مال الحساب الجاري قرض يترتب عليه بعض الصعوبات في إخضاع استعمالها وسيلة دفع وأداة وفاء من الناحية الشرعية، ومن ذلك (44) :
1 -أنه لا يجوز لصاحب الحساب الجاري أن يشتري بضاعة مؤجلة - أي سلمًا - ويكتب لصاحب البضاعة شيكًا بالثمن على المصرف؛ لأنه يؤدي إلى بيع الكالئ بالكالئ؛ فيبطل الشراء.
2 -أنه لا يجوز لصاحب الحساب الجاري أن يهب شيئًا من مال حسابه الجاري لشخص ثالث؛ لأنه من هبة الدائن للدين الذي يملكه في ذمة شخص آخر؛ فالهبة باطلة عند من يرى من الفقهاء أن قبض الموهوب له المال الموهوب شرط في صحة الهبة.
ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال: بفرعيه بأن ما ذُكِر غير مسلّم، وبيان ذلك أن صاحب الحساب الجاري إذا اشترى بضاعة مؤجلة (سلمًا) وكتب لصاحب البضاعة شيكًا فقبله كان ذلك بمنزلة تسليمه الثمن نقدًا، وذلك أن العرف المصرفي مضى على صرف الشيك فورًا إذا كان مستوفيًا لشروطه، وكذلك الحال بالنسبة للهبة؛ فإذا وهب إنسان ماله في حسابه الجاري إلى غير مدينه - المصرف - وحرر شيكًا للموهوب له ورضي به فقد تم القبض (45) ، وقد سبق أن القرض يثبت في الذمة حالًا، وأن للمقرِض المطالبة ببدله في الحال كسائر الديون الحالّة (46) .
الإشكال الثالث: استخدام مال الحساب الجاري كرهن أو ضمان.
عند الجمهور أن المرهون يجب أن يكون عينًا متقومة يجوز بيعها؛ فلا يجوز رهن الدين (47) ، وبناء على هذا فلا يجوز استخدام مال الحساب الجاري كرهن أو ضمان؛ لأنه دين لصاحب الحساب في ذمة المصرف.
قال الدكتور الصديق الضرير - أثابه الله تعالى:"لا أتصور رهن وديعة حسابية من صاحب الوديعة؛ لأن هذا مقرض والمقرض يخرج المال عن ملكه، ويكون في يد المقترض فلا محل لرهنه" (48) .
الإشكال الرابع: من المعلوم أن صاحب الحساب الجاري يمكنه أن يسحب من المال الذي في الحساب في أي وقت، بل قد يسحب جميع المال في وقت واحد، والمال المسحوب ليس هو عين ماله الذي أقرضه للمصرف، فإذا ما سحب جزءًا من المال مثلًا؛ فهل المال الذي يسحبه من الحساب هو استرجاع للمال الذي أقرضه للمصرف أو لجزء منه، أم أنه قرض جديد اقترضه هو من المصرف بعقد آخر؟
هذه المسألة تحتاج إلى نظر لما يترتب عليها من ثمرات، وهي مطروحة هنا للمناقشة.
الإشكال الخامس: إذا أدخل شخص مالًا جديدًا في حسابه الجاري؛ فهل هذا المال عقد قرض جديد بينه وبين المصرف، أو هو ملحق بالعقد الأول؟
الإشكال السادس: إذا أدخل شخص مبلغًا من المال في حساب شخص آخر؛ فهل هذا المبلغ يعد قرضًا للمصرف، أم أن المصرف وسيلة للوفاء فقط؟ وإذا قلنا إنه قرض من صاحب الحساب؛ فهل يمكن أن يتم القرض إذا كان صاحب الحساب لا يعلم بدخول المال في حسابه؟
المبحث الخامس: الأحكام والآثار المترتبة على تكييف الحسابات الجارية بأنها قرض.
الخلاف السابق في تكييف الحسابات الجارية يترتب آثار وثمرات عملية مهمة، تدل على أهمية الموضوع وأهمية صرحه والبحث فيه، ومن ذلك:
أولًا: أحكام المنافع العائدة من فتح الحساب الجاري:
إذا دفع صاحب المال نقوده إلى المصرف فإن الأخير تلقائيًا يفتح لصاحب المال حسابًا جاريًا، تتم عن طريقه المعاملات التي تكون بين الطرفين، ويترتب على فتح الحساب الجاري منافع منها ما يرجع إلى المصرف (المقترض) ، ومنها ما يرجع إلى صاحب الحساب (المقرِض) ، ومنها ما يرجع إليهما.
(أ) المنافع العائدة إلى المصرف (المقترض) :
1 -استثمار أموال الحساب الجاري:
من المعلوم أن المصرف بمجرد استلام المال من العميل يقوم بخلطه مباشرة بالأموال الموجودة لديه، وبناءً على أن هذه الأموال هي في الواقع قروض؛ فإن للمصرف حق التصرف فيها بموجب هذا العقد، بناء على أن عقد القرض ينقل الملكية إلى المقترض؛ إذ إن المقصود من القرض استهلاكه والانتفاع به، وبالتالي فإن المنافع العائدة من استثمار هذا القرض هي للمصرف دون أن يكون للمقرض منها شيء (49) .
ويترتب على هذا أن للمصرف الاستفادة من مجموع الأموال التي آلت إلى ملكيته من مجموع الحسابات الجارية في توليد الائتمان أو ما يسمى بـ (خلق الودائع) ، وهذا ناتج عن طبيعة عمله واستثماره لمجموع القروض.
2 -أخذ عمولة (50) مقابل الخدمات التي يقدمها لصاحب الحساب:
يترتب على فتح الحساب الجاري أن يقدم المصرف بعض الخدمات أو الأعمال في نطاق المعاملة بينهما؛ كإصدار دفتر الشيكات، وبطاقة السحب الآلي، وكشف بالأعمال التي قام بها صاحب الحساب، وغيرها من الخدمات، ومن المصارف ما يأخذ مقابلًا لهذه الخدمات، والذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنه لا مانع من أخذ مقابل لهذه الخدمات على أنها أجرة لما يقدمه المصرف من أعمال.
(ب) المنافع العائدة على صاحب الحساب الجاري (المقرِض) :