فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 1226

وروينا في معجم الطبراني من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة فقال: هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يدًا بيد قال ابو صالح فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس وأخبرت ابن عباس بما قال ابو سعيد والتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال: يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو بزيادة يدًا بيد؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا زيد بن أرقم والبراء بن عازب يقولان: سمعنا النَّبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني بإسناد حسن وقد قدمنا رجوع ابن عمر وابن مسعود عن ذلك وقد قدمنا الجواب عما روي عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد رضي الله عنهم وثبت عن سعيد بن جبير أن ابن عباس لم يرجع وهي شهادة على نفي مطلق ، والمثبت مقدم على النافي: لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه النافي ، وقال ابن عبد البر: رجع ابن عباس أو لم يرجع ، في السنة كفاية عن قول كل واحد ، ومن خالفها رد إليها ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ردوا الجهالات إلى السنة اه وقال العلامة الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار ، ما نصه وأما ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه لا ربا فيما كان يدًا بيد كما تقدم ، فليس ذلك مرويًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقة ، ولو كان مرفوعًا ، لما رجع ابن عباس واستغفر ، لما حدثه أبو سعيد بذلك كما تقدم ، وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على تحريم ربا الفضل ، وقال حفظتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ ، وروى عنه الحازمي أيضًا أنه قال كان ذلك برأيي . وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتركت رأيي إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن عباس مرفوع فهو عام مخصص بأحاديث الباب . لأنها أخص منه مطلقًا اه منه بلفظه ، وقد ذكر غير واحد أن الإجماع انقعد بعد هذا الخلاف على منع ربا الفضل .

قال: في تكملة المجموع ما نصه: الفصل الثالث في بيان انقراض الخلاف في ذلك ودعوى الإجماع فيه ، قال ابن المنذر: أجمع علماء الأمصار مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق ، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام ، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر: والشافعي وأصحابه ، وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد بن علي ، أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ، ولا فضة بفضة ، ولا بر ببر ، ولا شعير بشعير ، ولا تمر بتمر ، ولا ملح بملح ، متفاضلًا يدًا بيد ، ولا نسيئة ، وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ اه محل الغرض منه بلفظه .

ونقل النووي في شرح مسلم إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة قال: وهذا يدل على نسخه ، وقد استدل ابن عبد البر على صحة تأويله لحديث أسامة بإجماع الناس ، ما عدا ابن عباس عليه اه ، وعلى فرض أن ابن عباس لم يرجع عن ذلك ، فهل ينعقد الإجماع مع مخالفته؟ فيه خلاف معروف في الأصول ، هل يلغى الواحد والاثنان أو لا بد من اتفاق كل وهو المشهور ، وهل إذا مات وهو مخالف ثم انعقد الإجماع بعده يكون إجماعًا وهو الظاهر ، أو لا يكون إجماعًا . لأن المخالف الميت لا يسقط قوله بموته ، خلاف معروف في الأصول أيضًا .

وإذا عرفت أن من قال بإباحة ربا الفضل رجع عنها ، وعلمت أن الأحاديث الصحيحة ، المتفق عليها مصرحة بكثرة بمنعه ، علمت أن الحق الذي لا شك فيه تحريم ربا الفضل ، بين كل جنس واحد من الستة مع نفسه ، وجواز الفضل بين الجنسين المختلفين يدًا بيد ، ومنع النساء بين الذهب والفضة مطلقًا ، وبين التمر والبر ، والشعير والملح مطلقًا ، ولا يمنع طعام بنقد نسيئة كالعكس ، وحكى بعض العلماء على ذلك الإجماع ، ويبقى غير هذه الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث . فجماهير العلماء على أن الربا لا يختص بالستة المذكورة .

والتحقيق أن علة الربا في النقدين كونهما جوهرين نفيسين . هما ثمن الأشياء غالبًا في جميع أقطار الدنيا ، وهو قول مالك والشافعي ، والعلة فيهما قاصرة عليهما عندهما ، وأشهر الروايات عن أحمد أن العلة فيهما كون كل منهما موزون جنس ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وأما البر والشعير والتمر والملح فعلة الربا فيها عند مالك الاقتيات والادخار ، وقيل وغلبة العيش فلا يمنع ربا الفضل عند مالك وعامة أصحابه إلا في الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام المقتات المدخر بالطعام المقتات المدخر ، وقيل يشترط مع الاقتيات والادخار غلبة العيش ، وإنما جعل مالك العلة ما ذكر . لأنه أخص أوصاف الأربعة المذكورة ونظم بعض المالكية ما فيه ربا النساء وربا الفضل عند مالك في بيتين وهما:

رباء نسا في النقد حرم ومثله ... جعام ، وإن جنساهما قد تعددا

وخص ربا فضل بنقد ومثله ... طعام الربا ، إن جنس كل توحدا

وقد كنت حررت على مذهب مالك في ذلك في الكلام على الربا في الأطعمة في نظم لي طويل في فروع مالك بقولي:

وكل ما يذاق من طعام ... ربا النسا فيه من الحرام

مقتاتًا أو مدخرًا أو لا اختلف ... ذاك الطعام جنسه أو ائتلف

وإن يكن يطعم للدواء ... مجردًا فامنع ذو انتفاء

ولربا الفضل شروط يحرم ... بها ، وبانعدامها ينعدم

هي اتحاد الجنس فيما ذكرا ... مع اقتياته وأن يدخرا

وما لحد الادخار مده ... والتادلى بستة قد حده

والخلف في اشتراط كونه اتخذ ... للعيش عرفًا ، وبالإسقاط اخذ

تظهر فائدته في أربع ... غلبة العيش بها لم تقع

والأربع التي حوى ذا البيت ... بيض وتين وجراد زيت

في البيض والزيت والربا قد انحظر ... رعيًا لكون شرطها لم يعتبر

وقد رعى اشتراطها في المختصر ... في التين وحده ففيه ما حظر

ورعى خلف في الجراد باد ... لذكره الخلاف في الجراد

وحبة بحبتين تحرم ... إذا الربا قليله محرم

ثم ذكرت بعد ذلك الخلاف في ربوية البيض بقولي:

وقول إن البيض ما فيه الربا ... إلى ابن شعبان الإمام نسبا

وأصح الروايات عن الشافعي أن علة الربا في الأربعة الطعم فكل مطعوم يحرم فيه عنده الربا كالأقوات ، والإدام ، والحلاوات ، والفواكه والدوية . واستدل على أن العلة الطعم بما رواه مسلم من حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: « الطعام بالطعام مثلًا بمثل » الحديث . والطعام اسم لكل ما يؤكل قال تعالى: { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ } [ آل عمران: 93 ] الآية وقال تعالى: { فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا } [ عبس: 24-28 ] الآية وقال تعالى: { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } [ المائدة: 5 ] والمراد ذبائحهم .

وقالت عائشة رضي الله عنها مكثنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء . وعن أبي ذر رضي الله عنه في حديثه الطويل ، في قصة إسلامه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فمن كان يطعمك؟ » قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى كسرت عكن بطني ، قال: « إنها مباركة إنها طعام طعم » رواه مسلم وقال لبيد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت