وقد توهم البعض أن هذه الحقوق المجردة ليست محلًا للعقد ، لأنها ليست بمال متقوم شرعًا ، وهذا الرأي ضعيف جدًا ، فإن المعاوضة كما تكون على عينٍ محسوسة يصح أن تكون على حقٍ معنويٍ غير ملموس ، وقد أجاز جمهور الفقهاء بيع الحقوق المجردة ، مثل حق المرور ، وحق التعلي ، وحق التسييل ، وحق الشرب ، وحق وضع الخشب على الجدار ، وحق فتح الباب ، ونحو ذلك (8) ، ودلت الشريعة على جواز المعاوضة ببذل المال للتنازل عن حقٍ من الحقوق ، كالمصالحة على العفو عن القصاص ، والخلع ، والصلح بعوض للتنازل عن حق الشفعة ، وبيع العربون ، وغير ذلك من المعاوضات التي يكون محل العقد فيها حقًا مجردًا .
رابعًا- النقود:
وبيع النقد بنقد هو الصرف ، ويشترط فيه:
1.التماثل إذا بيع النقد بجنسه ، فإن بيع بغير جنسه فلا يشترط التماثل .
2.والتقابض في الحال .
خامسًا- الديون:
وقد تكون بسبب تسهيلات ائتمانية من الشركة لبعض عملائها ، أو مستحقات مالية بسبب بيوعٍ آجلة ونحو ذلك .
وقد اختلف أهل العلم في حكم بيع الدين من غير من هو عليه والأظهر هو جواز بيع الدين من غير من هو عليه بثمن حاضر ، بالشروط الآتيه:
1.ألا يتفق العوضان (الدين وعوضه) في العلة الربوية ، كأن يكون الدين ريالات ويشترى بريالات أو دولارات ، أو يكون الدين برًا ويشترى بتمر أو ببر ، لأن من شرط المبادلة بين هذه الأصناف التقابض ، ولا يتحقق القبض إذا كان أحدهما دينًا . قال في القواعد الفقهية: (( بيع الصكاك قبل قبضها ، وهي الديون الثابتة على الناس .. فإن كان الدين نقدًا وبيع بنقد لم يجز بلا خلاف ، لأنه صرف بنسيئة ) ) (9) .
2.ألا يربح الدائن من البيع ، فله أن يبيعه بنفس قيمته أو بأقل ولا يزداد ، لئلا يدخل في النهي عن ربح ما لم يضمن .
فهذه هي الموجودات المعتادة للشركة المساهمة ، حيث تتألف من الأعيان والمنافع والحقوق والنقود والديون ، أو من أوراق مالية ترجع إلى شيء من ذلك .
وفي الشركات التي في مرحلة التأسيس تكون الغالبية العظمى من هذه الموجودات هي النقود المحصلة من أموال المكتتبين ، ففي شركة الصحراء مثلًا تصل نسبة النقود من موجودات الشركة في هذه الفترة ما يزيد عن تسعين بالمائة حسب إفادة القائمين عليها ، ومع ذلك فالشركة لا تخلو من بعض الموجودات الأخرى ذات القيمة المعتبرة شرعًا ، كالحقوق المعنوية ومنافع الأعيان والأشخاص العاملين فيها إضافة إلى بعض الممتلكات اليسيرة .
والسؤال المطروح الآن:هل المعتبر عند بيع هذه الأسهم قيمتها السوقية بغض النظر عما تمثله من موجودات في الشركة ؟ أم ينظر إلى موجودات الشركة ويأخذ البيع حكم تلك الموجودات ؟
وعلى الثاني يجب أن تطبق شروط الصرف في بيع أسهم الشركات التي أغلب موجوداتها النقود ، فيلزم التماثل والتقابض ، ويتحقق التماثل في بيع الأسهم أثناء فترة الاكتتاب وقبل التشغيل ببيعه بقيمته الاسمية دون زيادة أو نقصان ، أما بعد التشغيل فيتحقق التماثل ببيع السهم بقيمته الحقيقية ، وهي النصيب الذي يستحقه السهم في صافي أموال الشركة ، فيشمل رأس المال المدفوع وموجودات الشركة وما أضيف إلى رأس المال من الأرباح والاحتياطيات (10) .
وتساوي هذه القيمة: القيمة الدفترية لآخر فترة ، مضافًا إليها الأرباح المحتجزة .
والجواب عن هذا السؤال يتطلب تحرير التكييف القانوني والشرعي للسهم ، وعلاقة السهم بموجودات الشركة ، وهذا ما سنجيب عنه بمشيئة الله تعالى في الأسطر القادمة
ثانيًا-التكييف القانوني والشرعي للسهم
التكييف القانوني:
السهم في القانون التجاري هو صك يمثل حصة في رأس مال شركة المساهمة (11) .
وللأسهم خصائص متعددة منها:التساوي في القيمة ، والقابلية للتداول ، والقابلية للتسييل (12) ، وعدم القابلية للتجزئة ، وغير ذلك (13) .
وخلافًا للنظرة الشرعية ، فإن القانون التجاري - بما يمنحه للشركة المساهمة من شخصية اعتبارية - يميز بين ملكية السهم ، وملكية الأصول والأعيان التي يتضمنها السهم .
فالسهم يملك على وجه الاستقلال عن ملكية الأصول والأعيان التي تملكها الشركة ، بحيث إن الحصص المقدمة للمساهمة في الشركة تنتقل على سبيل التمليك إلى ملكية الشركة ، ويفقد الشركاء المستثمرون كل حق عيني عليها ، ولا يبقى لهم إلا حق في الحصول على نصيب من أرباح الشركة أثناء وجودها ، وفي اقتسام قيمة بيع موجوداتها عند التصفية .
ولقد لا حظت كثير من القوانين هذا الاستقلال ففرضت ضريبة الدخل أو الأرباح على الشركات بشكل منفصل عن ضريبة الدخل على الأفراد ، فالشركة تدفع ضريبة على مجموع أرباحها سواء وزعتها أم لم توزعها ، والمستثمر يدفع ضريبة أيضًا عما حصل عليه من أرباح موزعة ، دون أن يعتبر ذلك ازدواجًا ضريبيًا ، لأن للشركة أو الصندوق الاستثماري شخصية قانونية وذمة مالية مستقلتين عما للمستثمرين أفرادًا أو مجتمعين (14) .
التكييف الشرعي للسهم:
لا يختلف التكييف الشرعي للسهم كثيرًا عن التكييف القانوني ، إلا في دمج ملكية السهم بملكية موجوداته ، فالسهم لا يملك على وجه الاستقلال عن ملكية الأصول والأعيان ، بل إن الشركة أو الوعاء الاستثماري مملوك بما فيه للمساهمين .
وعلى هذا فالتكييف الشرعي للسهم أنه: (( حصة شائعة من موجودات الشركة ، أيًا كان نوع هذه الموجودات ) ).
فقد تكون موجودات الشركة أصولًا مالية - نقودًا أو أوراقًا مالية - ، وقد تكون أصولًا حقيقية من عقارات وسلع ومنافع وغير ذلك ، وقد تكون مزيجًا من هذه الأصول أو بعضها .
وقد أوجدت الطبيعة المزدوجة للسهم ، تباينًا في وجهات النظر عند العلماء المعاصرين ، في تحديد النظرة الشرعية التي يجب أن يعامل بها السهم لتنزيل الأحكام الشرعية عليه .
فمع أن الجميع متفقون على أن السهم حصة شائعة في موجودات الشركة ، إلا أن قابليته للتداول والتسييل بسهولة جعل البعض يميل إلى تكييفه على أنه (( عَرْضٌ ) )مطلقًا بصرف النظر عما يتكون منه من نقود أو ديون أو منافع أو غير ذلك ، وهو رأي يقترب من النظرة االقانونية التي قدمناها آنفًا ، والتي تفصل بين ملكية السهم ، وملكية موجوداته ، فموجودات الشركة ليست بالضرورة - على هذا الرأي - هي موجودات السهم .
ويظهر أثر هذا الاختلاف جليًا في ثلاثة أبواب من أبواب الفقه ، هي:
-باب الزكاة .
-وباب البيع .
-وباب الرهن .
وفيما يلي عرض لهذين الرأيين ، وما يترتب على كل منهما من أثر في هذه الأبواب ، وإن كان بعضهم قد أبدى رأيه في باب دون الآخر إلا أن إجراء الحكم في جميع المسائل من لازم قوله .
فنقول:
اختلف العلماء المعاصرون في تكييف الأوراق المالية التي تمثل حصص ملكية كالأسهم على قولين:
القول الأول:
يرى بعض العلماء أن الأسهم أموال قد اتخذت للاتجار ، فإن صاحبها يتجر فيها بالبيع والشراء ، ويكسب منها كما يكسب كل تاجر من سلعته ، فهي بهذا الاعتبار عروض تجارة ، مهما كانت موجودات أو طبيعة عمل الشركة التي أصدرتها (15) .
وإلى هذا ذهبت ندوة البركة الثانية ، وبعض الهيئات الشرعية للمصارف الإسلامية وذلك إذا كان من ضمن موجودات الشركة نسبة ولو يسيرة من الأعيان (غير النقود والديون) (16)
ويمكن أن يستدل لهذا القول بما يلي:
الحجة الأولى:
قوله عليه الصلاة والسلام: (( من باع عبدًا له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع ) ) (17) .