فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 1226

وقد أحسن الأستاذ المفكِّر جمال سلطان ـ وفقه الله ـ حين كتب ( فإذا لم يكن لدى الأمة ومشروعها الحضاري ، بديل جاد ومتفوق يمتلك الجاذبية الفنِّية العالية ، ويتحرك على تقنيات فنِّية رفيعتة المستوى ،أو إذا لم يكن بمقدور المشروع الحضاري أن يحقق موازنة جديدة بين النشاط العلمي، والنشاط الترفيهي، أو لم يكن بمقدوره إعادة صياغة المدركات العامَّة للأمة ، بما يحقق وعيًا جديدًا لمفهوم الوقت ، وتقسيمه وقيمته ودوره ، أو تباين ذلك كلِّه بين الأمم ، حسب متطلَّباتها الإنسانية ، وحسب مناهجها الفكرية العقائدية(الآيديولوجية) وحسب مكانتها الحضارية ، وحسب تحدياتها التاريخية والمستقبلية ، أي أنَّه ـ بوجه عام ـ إذا لم يكن لدى المشروع الحضاري خططه وبرامجه للسيطرة على وقت الفراغ فسيكون ذلك بمثابة تأشيرة دخول مفتوحة للتَّيارات الثقافية والقيمة والأخلاقية والأجنبية ، لكي تنفذ إلى صميم الأمَّة من خلال ثقب (وقت الفراغ ) ) مقدمات في سبيل مشروعنا الحضاري صـ62ـ63.

3ـ عدم الدوران في فلك الذات ، وإغلاق منافذ البصيرة في وجه أيِّ جديد بحجَّة أنَّ هذه العولمة المعاصرة أكثرها شرٌ وفساد ، بل ينبغي أن ننفتح على كلِّ جديد ونوازنه بالشرع فما وافقه فحيَّ هلا ، وما خالفه فإن استطعنا أن نبيد مادَّة الحرام منه فعلنا، وإن لم نستطع فلنضرب به عرض الحائط ولا نبالي، ورحم الله من قال:

والشرع ميزان الأمور كلها وشاهد لأصلها وفرعها

ومن جميل كلام أبو حفص النيسابوري (من لم يزن أفعاله وأقواله كلَّ وقت بالكتاب والسنَّة ، ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال) الاستقامة لابن تيمية /96ـ99.

شاهد ذلك أنَّه قبل أن نحكم على أي شيء فعلينا أن نعرف حقيقته وماهيته ، ثم يُطلق الحكم الشرعي المناسب له ، والقاعدة الأصولية تقول / الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

4ـ لا يعني أنَّه إذا نودي بإيجاد البديل المنضبط ، أن يكون هذا ديدن الدعاة ، بل ينبغي أن ينادي الدعاة بأنَّه ليس كلُّ شيء حرِّم يستطاع أن يؤتى ببدائل تحل عنه، وأنَّ هذا البديل الذي استهلك العقل البشري في التفكير لإيجاده ، ليس شرطًا أن يكون فيه كلُّ مظاهر اللذَّة والمتعة عن الشيء المحرَّم، إلَّا أنَّه ينبغي أن تكون فيه مادَّة تصرف من تعلقت نفسه بالماضي ، وتكون فيه روح شفَّافة جذَّابة ليتعلق بها.

لكن من المهم جدًَّا أن يواكب هذا التغيير لتلك النفس البشرية التي نشأت من قريب على طاعة الله بأن تربى هذه النفس على طاعة الله ، وأن يكون ديدنها لأوامر الله ونواهيه بكلمة (سمعنا وأطعنا) و إذا كان البديل ليس على مستوى درجة الجاذبية لما ألفته النفس في الماضي ، أو في أيام الجاهلية فلا يعني ذلك أن ترجع النفس لماضيها ، لأنَّ ذلك من تبديل نعمة الله على العبد والتنكر لها.

بل يكون على لسان المسلم الأثر المعروف ( من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه) وهذا التعويض كما ذكر علماء الشريعة إمَّا أن يكون في الحياة الدنيا، أو أن يكون ذلك في دار الآخرة وجنَّة الرضوان.

5ـ أن يتعدى الدعاة والمصلحون مرحلة المدافعة والتحذير، إلى مرحلة المواجهة والتبشير، ولقد كانت هذه وصيَّة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لبعض أصحابه فقال: (بشِّروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا) أخرجه البخاري في كتاب العلم (2001) ، ومسلم في كتاب الجهاد (251)

فالعقلية الإسلامية تحتاج في هذا الزمن الصعب أن تكون داعية خير وتبشير، أمَّا مجرد النقد اللاذع، والإبقاء على هذا المنهج فلن يوصل المسلمين إلى مرحلة سبَّاقة ، بل يجعلهم ذلك يرجعون للوراء لأنهم لم يعرفوا كيف يواجهوا هذا العصر بتقنياته، وما هي اللغة المناسبة له ، ولذا فإنَّ المثل القائل بأنَّ إيقاد شمعة خير من لعن الظلام ؛ مثل رائع، يحتاجه دعاة هذا العصر، فإنَّ مجرد التشكي من أبناء هذا الزمان وهذا الدهر لن يفيد شيئًا ، والغريب أنَّ كثيرًا من الشباب الصالح قد صار ديدنه في بعض اللقاءات التحدث بمآسي هذا الجيل ، على حدِّ قول الشاعر:

كلُّ من لاقيت يشكو دهره ليت شعري هذه الدنيا لمن

لكنَّ القليل من يحاول أن ينقي الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه، ويبين الخلل والاهتراءات التي حلَّت في وسطه ، محاولًا التغيير والإصلاح بالحكمة الحسنة والكلمة الطيبة، حتى يتم المقصود، وينال المراد.

إننا نحتاج حاجة ماسة لإعادة النظر في الطرق التربوية التي أَلِفَهَا بعض المربين أكثر من أربعة عقود من هذا الزمان ، أو وسائل الدعوة التقليدية والتي كانت منذ عشرات السنين وبقي الكثير على نمطها.

نحتاج لوسائل البلاغ المبين ، ولجميع المنابر التي نتواجه بها مع أبناء الجيل المسلم ، والاستفادة من المعطيات الحديثة التي تتناسب مع طبيعتنا الشرعية ، ومثلنا العقدية ( ومن خلال معرفتنا بسنن الله ـ تعالى ـ والتي تبرز لنا طبائع الأشياء ، يرتقي لدينا ما أسميه بـ(فقه الطرق المسدودة ) وهو فقه عظيم لا نجده في أي كتاب ، وإنَّما في سفر الوجود الهائل والمترامي ، حيث إننا من خلال الممارسة العملية نكتشف الهائل والمترامي، وما لا يمكن الوصول إليه ، وبذلك الاكتشاف نقترب من معرفة ما هو متاح ، كما أنَّنا نوفر على أنفسنا عناء (الحرث في البحر) حيث ألف الكثيرون منَّا تبديد الجهد والوقت والمال في محاولات الوصول إلى أشياء ليس إلى الحصول عليها أي سبيل) جزء من كلام الدكتور:عبدالكريم بكَّار في كتابه تشكيل عقلية إسلامية معاصرة صـ78.

إنَّ الداعية ـ باختصار ـ من ينفع أمته ، ويبين لها طرق الخير، فهو كما قال الشاعر:

واضح المنهج يسعى دون غش أو نفاق

راضي النفس، كبير القلب، يدعو للوفاق

قلبه المؤمن بالخالق مشدود الوثاق

نبضه الذاكر يمتد إلى السبع الطباق

7ـ وقبل الختام فهناك تنبيه/وهو في الحقيقة أمر وقع فيه بعض الأخوة الدُّعاة ـ هداهم الله ـ في قضيَّة البديل،فالمراقب لبعض البدائل التي أتيح نشرها داخل الأوساط الإسلامية يجد أنَّها قد تجاوزت ـ وللأسف ـ الحدود الشرعية، وصار فيها من التنازلات عن الشريعة الشيء الذي ينذر بوقوع حالة مكارثية ممن لهم توجهات إسلامية ، فأكثرهم لم يدرسوا هذا الدين على حقيقته ، وإن كانوا من (محبي الإسلام) ولا شك ، لكنهم يتصرفون بعض التصرفات المخلة بهذا الدين ، لأنَّ كثيرًا منهم ينتج إنتاجه الإعلامي أو الاقتصادي أو التربوي ولا يستشير إلَّا أمثاله من قليلي العلم ، وضحلي المعرفة في الجذور الإسلامية ، أضف على ذلك قلَّة استشارتهم لأهل العلم وفقهاء الشريعة الربانيين، في عرض مثل هذه المنتجات، وأخذ آرائهم تجاهها، ومن ذلك:

1ـ ما يسمى بفيديو كليب فقد شاهد البعض من طلبة العلم مثل هذه البرامج ، وما يعرض فيها من الأناشيد وما يصاحبها من تكسر وتميع ، وحركات لا تمت إلى الرجولة بصلة ، بل فيها من مشابهة بعض الفسقة من المغنين في حركات الرجل وضرباتها الخفيفة على الأرض ، أو حركات اليد والتي تدغدغ مشاعر الرجال فضلًا عن الفتيات ( المراهقات) ثمَّ يسمَّى هذا العمل إنتاجًا إعلاميًا (إسلاميًا) .

فهل هذا من البديل الذي اشتُرِطَ أن يكون منضبطًا بميزان الشريعة ، ومأمونًا لجميع شرائح المجتمع؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت