فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 1226

أحدهما: وهو مسلك القاضي وأصحابه أن الصفقة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة يقسط الثمن على قيمتهما وهذا يؤدي هاهنا إما إلى يقين التفاضل وإما إلى الجهل بالتساوي وكلاهما مبطل للعقد في أموال الربا. وبيان ذلك: أنه إذا باع مدا يساوي درهمين ودرهما بمدين يساويان ثلاثة دراهم كان الدرهم في مقابلة ثلثي مد ويبقى مد في مقابلة مد وثلث ذلك ربا وكذلك إذا باع مدا يساوي درهما ودرهمين بمدين يساوين ثلاثة دراهم فإنه يتقابل الدرهمان بمد وثلث مد ويبقى ثلثا مد في مقابلة مد , وأما إن فرض التساوي كمد يساوي درهما , ودرهم بمد يساوي درهما ودرهم فإن التقويم ظن وتخمين فلا يتيقن معه المساواة والجهل بالتساوي هاهنا كالعلم بالتفاضل فلو فرض أن المدين من شجرة واحدة أو من زرع واحد وإن الدرهمين من نقد واحد ففيه وجهان ذكرهما القاضي في خلافه احتمالين:

أحدهما: الجواز لتحقق المساواة .

والثاني: المنع لجواز أن يتغير أحدهما قبل العقد فتنقص قيمته وحده وصحح أبو الخطاب في انتصاره المنع قال ; لأنا لا نقابل مدا بمد ودرهما بدرهم بل نقابل مدا بنصف مد ونصف درهم , وكذلك لو خرج مستحقا لاسترد ذلك وحينئذ فالجهل بالتساوي قائم , هذا ما ذكره في تقريره هذه الطريقة .

هو عندي ضعيف ; لأن المنقسم هو قيمة الثمن على قيمة المثمن لا إجراء (9) أحدهما على قيمة الآخر ففيما إذا باع مدا يساوي درهمين ودرهما بمدين يساويان ثلاثة لا نقول درهم مقابل بثلثي مد بل نقول ثلث الثمن مقابل بثلث المثمن فنقابل ثلث المدين بثلث مد وثلث درهم ونقابل ثلث المدين بثلثي مد وثلثي درهم فلا تنفك مقابلة كل جزء من المدين بجزء من المد والدرهم. ولهذا لو باع شقصًا وسيفا بمائة درهم وعشرة دنانير لأخذ الشفيع الشقص بحصته من الدراهم والدنانير , نعم نحتاج إلى معرفة ما يقابل الدرهم أو المد من الجملة الأخرى إذا ظهر أحدهما مستحقا أو رد بعيب أو غيره ليرد ما قابله من عوضه حيث كان المردود هاهنا معينا مفردا , أما مع صحة العقد في الكل واستدامته فإنا نوزع أجزاء الثمن على أجزاء المثمن بحسب القيمة وحينئذ فالمفاضلة المتيقنة كما ذكروه منتفية , وأما أن المساواة غير معلومة فقد تعلم في بعض الصور كما سبق" (10) ."

فهذا الكلام نقلته لبيان أن العلماء يرون أنه في مسألة مد عجوة ودرهم لا بد من انقسام أجزاء أحدهما على قيمة الآخر على طريقة القاضي.

أو انقسام قيمة الثمن على قيمة المثمن على طريقة ابن رجب.

وعلى كلٍ لا بد من هذا التقسيم.

وقد نقلت هذا للإيضاح كما سبق، وإلا فإن هذا التفصيل كله يتعلق بالرواية الأولى وهي المنع. ونأتي الآن إلى الرواية الثانية يقول ابن رجب:

"والرواية الثانية: يجوز ذلك بشرط أن يكون مع الربوي من غير جنسه من الطرفين، أو يكون مع أحدهما ولكن المفرد أكثر من الذي معه غيره نص عليه أحمد في رواية جماعة، جعلا لغير الجنس في مقابلة الجنس، أو في مقابلة الزيادة , ومن المتأخرين كالسامري من يشترط فيما إذا كان مع كل واحد من غير جنسه من الجانبين التساوي جعلا لكل جنس في مقابلة جنسه، وهو أولى من جعل الجنس في مقابلة غيره، لا سيما مع اختلافهما في القيمة، وعلى هذه الرواية فإنما يجوز ذلك ما لم يكن حيلة على الربا، وقد نص أحمد على هذا الشرط في رواية حرب ولا بد منه . وعلى هذه الرواية يكون التوزيع هاهنا للأفراد على الأفراد، وعلى الرواية الأولى هو من باب توزيع الأفراد على الجمل، أو توزيع الجمل على الجمل" (11) .

إذًا على هذه الرواية ـ الجواز ـ يكون التوزيع للأفراد على الأفراد، أي نجعل غير الجنس في مقابلة الجنس، أو في مقابلة الزيادة، كما تقدم عن ابن رجب، وإذا اختل هذا المبدأ حرمت المعاملة.

وإذا أردنا أن نطبق هذه المقابلة ، أو التقسيم ، على مسألتنا فإنه ينتج من ذلك عدم الجواز.

ولبيان ذلك أقول:

طرحت شركة الصحراء أسهمها للإكتتاب بقيمة (50) ريالًا للسهم الواحد (12) .

وصُرف جزء يسير من هذه ألـ (50) في شراء أعيان، أو منافع ولنفرض أنها تشكل 10% من قيمة السهم، فبقي من الأموال النقدية 45 ريالًا.

ثم ارتفعت قيمة الأسهم لتصل إلى (220) ريالًا للسهم الواحد.

فإذا أردنا تطبيق مبدأ مد عجوة ودرهم فنقول:

ألـ (45) ريالًا من الثمن أي (220) مقابل ألـ (45) من المثمن (النقد في الشركة) ويبقى من الثمن 220ـ45=175

فهذا المبلغ المتبقي من الثمن وهو (175) لا يمكن أن يكون كله مقابل الأعيان والمنافع فقط لما يلي:

-هذه الأعيان والمنافع لا يعرفها كثير من المساهمين أصلًا، بل كثير من الناس لا يعرف عن هذه الشركة إلا أنها ما زالت نقودًا، وإذا كان المساهمون الذين رفعوا السهم لا يعرفون فيه هذه الحقوق والمنافع، بل قد تكون معرفتهم بوجود النقد أكثر من معرفتهم بها، فكيف نجعل سبب ارتفاع الأسهم منحصرًا في أشياء لا يعرفونها، أو معرفتهم بها قليلة.

ـ هذه القيمة قد ترتفع أو تنزل في دقائق، مما يدل أنها قيمة سوقية للسهم كله، نقده، وأعيانه، وحقوقه؛ لأن قيمة هذه الأعيان والحقوق لن ترتفع في دقائق بمفردها، بل الذي يرتفع هو السهم بكل موجوداته العينية, والنقدية، وغيرها, ولا يوجد مطلقًا ما يدل على أن هذا الارتفاع إنما هو في قيمة الأعيان والمنافع فقط, بل هذه غاية في البعد، عند تصور حقيقة المعاملة.

إذ إن القول بأن هذه الأسهم ارتفع سعرها نظرًا للموجودات غير النقدية, وسمعت الشركة, ونحو ذلك, قول بعيد عن حقيقة ما يقع في أسواق تداول الأسهم؛ فإن المساهمين في الغالب لا يعرفون شيئًا كثيرًا عن الشركات، لا سيما الحديثة منها، إنما يتحكم في ارتفاع سعر الأسهم أو هبوطها ما يجري على الأسهم من مضاربات بين المتداولين، أو ظهور الإشاعات، أو تحركات كبار المساهمين، ونحو هذه الأسباب.

والمضاربات هي العنصر الأهم في ارتفاع قيم الأسهم, والمضاربون يرفعون قيم الأسهم من خلال الأساليب المتنوعة في العرض والطلب، وذلك كله بعيدًا عن مراعات شئ معين من موجودات الشركة من الحقوق والمنافع والأعيان والنقود، فإذا ارتفع السهم فهو يرتفع بكل موجوداته ولا يقصد منها شيئًا معينًا

ولا أدل على ذلك من أن أسهم بعض الشركات ترتفع رغم إعلانها الخسارة ووجود انطباع سيء عن أدائها عند المساهمين، وهذا كله يفترض أن يؤدي إلى تدني قيم الحقوق والموجودات العينية، ولكن مع ذلك ترتفع أسهمها بسبب المضاربات السوقية.

ومع ما سبق ما الذي يجعلنا نفترض أن الزيادة في قيمة السهم في مقابل تلك الموجودات (الأعيان والحقوق والمنافع) فقط.

وقد عرفنا أن هذا الارتفاع سببه الحقيقي المضاربات على الأسهم، وهي لا تفرق بين موجودات الشركة من النقود، والحقوق، والأعيان، وغيرها فهي في الواقع مقابل السهم برمته نقده وموجوداته.

فالزعم أن سبب الارتفاع هو الموجودات غير النقدية فقط يخالف الواقع.

وخلاصة ما سبق أن هذا الارتفاع لا يقابل هذه الحقوق والمنافع فقط، بل يقابل السهم كله نقده وحقوقه ومنافعه.

ونخلص من هذا إلى أن جزء من هذا المبلغ المتبقي (أي ألـ 175) مقابل للنقد الموجود في الشركة بالإضافة إلى ألـ (45) الأولى من الثمن أي أنه اشترى (45) ريالًا بـ (45) وزيادة وهذا هو ربا الفضل.

وبهذا يتبين أنه حتى على القول بجواز مسألة مد عجوة ودرهم فإنها لا تنطبق على شركة الصحراء لعدم تحقق شرط الجواز على ما سبق تفصيله.

هذا ما ظهر لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم بالصواب.

وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت