وروى البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعًا:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيه كمثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها وأصاب بعضهم أعلاها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا وإن اخذوا على أيديهم نجوا جميعًا"ورواه الترمذي في الفتن.
وهذه الأحاديث تختلف عن الأحاديث التي ذكرناها في المرتبة الثانية وذلك أن الساكتين عنا مقصرون آثمون مستحقون للعقاب في الدنيا والآخرة.
لأنهم غير صالحين لعدم قيامهم بالواجب، كما قال سعيد بن المسيب في قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ( [المائدة:105] . قال:"إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فلا يضرك من ضل إذا اهتديت"رواه ابن جرير عنه، وروى عن حذيفة وغير واحد من السلف مثل ذلك.
ومن هنا يظهر لنا أهمية الدعوة إلى الله في تحقيق الهدف الأول وهو الإعذار إلى الله وثمرته منع العقاب العام والفتنة الشاملة وهذا الهدف يتم تحقيقه إذا بلغ الحق للناس وظهر شعار الدين بين الناس كما قال تعالى: )وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ( [الكهف:29] .
ومن اجل تحصيل هذه الغاية تجوز أو تستحب أو تجب الإقامة بين ظهراني الكفار والظلمة والفسقة كما أقام الرسل صلوات الله وسلمه عليهم أجمعين في ديار الكفر ووسط الكفار للقيام بواجب الإبلاغ، وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عامًا في مكة والأصنام حول الكعبة يراها صباحًا ومساءًا في بيت الله الحرام صابرًا محتسبًا لكي يبلغ الحق لجميع الناس.
والأمة مكلفة بالقيام بهذا الواجب واجب الإبلاغ بالنيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال:"بلغوا عني ولو آية"، وقال:"فليبلغ الشاهد منكم الغائب".
الهدف الثاني الأثر العاجل:
من أهداف الدعوة احتمال استجابة البعض، قالوا:
أولًا: ( قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) ، ثانيًا: ( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) .
جزموا بالمعذرة، وتمنعوا أو رجوا التقوى، النتيجة التي نتمناها ونرجوها هي التقوى، وجزموا بالمعذرة، لم يقولوا: لعله معذرة وليتقوا، بل قالوا: معذرة أي ندعوا إلى الله معذرة، لعلهم يتقون، وذلك أن نتيجة الدعوة إلى الله ليست بيد الداعي، فهل يجزم أحد بأن المدعو سوف يستجيب أو يهتدي؟، لا يعلم ذلك إلا الله، فهؤلاء الدعاة رجوا أن يهدي الله طائفة منهم لعلهم يتقون مع تكرار الوعظ.
فالداعي إلى الله عز وجل من شفقته وحبه للخير يحب للناس الهداية أولًا، ولا يريد بدعوته أن يعذبوا أو يهلكوا، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يربِّ الصحابة على ذلك قط، بل يقول لعلي رضي الله عنه وقد أخبره أن خيبر ستفتح على يديه وخيبر من أغنى حصون اليهود الذين معهم من الأموال ما معهم... يقول:"انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، فادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجل واحدًا خير لك من حمر النعم".
ولذلك يقول العلماء: إن من ضمن فوائد الدعوة ونفعها الأثر العاجل المباشر أن يستجيب المدعو مباشرة، كأن تقول له اتق الله، قم فصلِّ فيطيع ويقوم ويصلي، وتقول للمرأة: اتقي الله والبسي الحجاب الشرعي، فتقول سألبسه وتفعل فعلًا.
وهذا الأثر هو المحبوب المرجو لدى الداعية في أن يستجيب المدعو إلى الله تعالى مباشرة، ويتوب إلى الله عز وجل من معصيته وينجو من عذاب الله قبل أن يهلك بإصراره على معصيته، وهذا ولا شك قليل إلا أنه موجود، فقليل من يشبه أبا بكر الصديق في سرعة استجابته للحق، ورجوعه إليه، فعندما عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام لم يتلعثم، ولم يتردد لحظة، وقبل مباشرة، والصحابة بعد ذلك تأدبوا بهذا الأدب، فتعلموا فكانوا واقفين ورجاعين عند كتاب الله تعالى.
وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، إذا ذكر يتذكر، وهذه علامة على حياة القلب وصحته، ذلك لأن الإنسان لا يخلوا من معصية، لكن إذا ذكر يتذكر وينيب، ويتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى.
الهدف الثالث الأثر الآجل:
وهو داخل أيضا في قوله تعالى عن المؤمنين )وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(، وذلك لأن الدعوة إلى الله تؤدي إلى ما يسميه العلماء"إحداث نكاية"في القلب الفاجر والعاصي، وربما يؤثر ذلك في الكافر بتكرار الأمر والنهي بأن يرتكب المنكر وهو غير مطمئن إليه لتكرير التذكير: أنت على منكر، أنت على حرام، فيحدث نكاية فوق نكاية في قلبه، إلى أن يمن الله تعالى عليه في الوقت الذي يشاء عز وجل بالهداية فيهتدي، ويترك المنكر.
فتقول لمن لا يصلي: قم فصلي، فيقول: الله يهديني، وعندما يكبر ويعقل يصلي فعلًا، ونقول للمرأة: ارتدي الحجاب، فهو فرض، فتقول: إن شاء الله عندما أتزوج، وعندما تعقل تتحجب بالفعل.
وهذا أمر مشهود، وكثيرًا جدًا من الناس ينصح مرات، ثم في المرة بعد المائة يلتزم ويهتدي.
فمنذ خمسة وعشرين عامًا تقريبًا لم تكن هناك امرأة واحدة ترتدي الزي الشرعي إلا نادرًا جدًا، ثم بدأت الصحوة الإسلامية منذ خمسة وعشرين عامًا، وكانت الملابس القصيرة آنذاك عادية جدًا، وفي الريف والمدينة لم تكن امرأة تغطي شعرها، ثم بدأ الحجاب يظهر.
الآن من هن في سن الأربعين أو الخامسة والربعين لا تكاد توجد من تكشف عن شعرها في هذا السن إلا قليل جدًا، كن من قبل متبرجات، وسمعن أن الحجاب واجب، وأن المرأة لابد أن ترتديه، وبعد سنين عندما من الله عليهن بالهداية استجبن.
فالهداية من عند الله، ونحن لا نعلم متى يستجيب المدعو، لكن على الأقل سيتأثر قلبه، ويعلم أنه مخطئ، هذه ثمرة من ثمرات الدعوة لكنها ثمرة مخفية لا تظهر في الحال ويرجى بإذن الله أن تثمر في المستقبل.
فالإنسان الذي يحس أنه مخطئ أفضل بلا شك من الذي يرى نفسه على صواب، فالأول قلبه متغير نحو هذا المنكر، لا يقر المنكر ويقول: أنا على خطأ، والثاني الأخطر والأشد جرمًا الذي قلب المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، أصبح ما يفعله هو الصواب، وما تقوله له أنت هو الخطأ.
ولذلك يريد أعداء الإسلام أن يفعل الناس المنكر، وليس هذا فقط بل يفعلونه ويرونه صوابًا، فالذي يأكل الربا وهو يعلم انه مخطئ، خير من الذي يأكله ولا يرى به بأسًا، والمتبرجة التي تعلم خطأها خير من التي تقول:"هذه حرية، وهذا الذي ينبغي أن يكون، والناس كلها تتقدم وأنتم تتخلفون".
هذا من الممكن أن يوصلها إلى الكفر والعياذ بالله، بل هذا فعلًا من الكفر، إذا كانت قد بلغتها الحجة، واعتقاد القلب وعمله وانقياده من أعظم أركان الإيمان، فإحداث النكاية في قلب العاصي من أثر الدعوة، وهو يحافظ على قول القلب وعمله وإن كان ضعيفًا لا يستطيع التأثير في الجوارح.
فإذا نظرنا في تاريخنا الإسلامي، وبالتحديد في تاريخ الصحابة رضي الله عنهم، نجد خالد بن الوليد مثلًا أسلم بعد عشرين سنة، كان خلالها يحارب الإسلام، وكذلك عمرو بن العاص أسلما بعد صلح الحديبية وغيرهما كثير.
فبقاء الدعاة إلى الله في مثل تلك القرية يكون لأحد الهدفين:
الأول: أن يوجد أناس لم تبلغهم الدعوة، فبقاء الدعاة من أجل إبلاغهم الدعوة.
الثاني: استجابة قلوب البعض كليًا وبسرعة أو جزئيًا ولو بعد مدة.