فهرس الكتاب

الصفحة 680 من 1226

فينتظم بذلك معاشهم ، وينبعث كل واحد إلى ما يستطيع الحصول عليه من وسائل العيش ، فهذا يغرس الأرض بما منحه الله من قوة بدنية وألهمه من علم بأحوال الزرع ويبيع ثمرها لمن لا يقدر على الزرع ولكنه يستطيع الحصول على الثمن من طريق أخرى ، وهذا يحضر السلعة من الجهات الثانية ويبيعها لمن ينتفع بها ، وهذا يجيد ما يحتاج إليه الناس من صناعة ليبيع عليهم مصنوعاته ، فالبيع والشراء من أكبر الوسائل الباعثة على العمل في هذه الحياة الدنيا ، وأجل أسباب الحضارة والعمران . 4

الإجماع: وقد أجمع الأئمة على مشروعية البيع وأنه أحد أسباب التملك. 5

كما أن الحكمة تقتضيه ، لأن الحاجة ماسة إلى شرعيته ، إذ الناس محتاجون إلى الأعواض والسلع والطعام والشراب الذي في أيدي بعضهم ولا طريق لهم إليه إلاّ بالبيع والشراء .

في القانون الوضعي: البيع تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض . 6 البيع عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حقًا ماليًا آخر في مقابل ثمن نقدي . 7

المطلب الثاني

أركان البيع

أركان البيع ستة وهي الصيغة والعاقد والمعقود عليه ، وكل منهما قسمان لأن العاقد إما أن يكون بائعًا أو مشتريًا ، والمعقود عليه إما أن يكون ثمنًا أو مثمنًا والصيغة إما أن تكون إيجابًا أو قبولًا ، فالأركان ستة والمراد بالركن هنا ما يتوقف عليه وجود الشيء وإن كان غير داخل في حقيقته ، وهذا مجرد اصطلاح، لأن ركن الشيء الحقيقي هو أصله الداخل فيه ، وأصل البيع هو الصيغة التي لولاها ما اتصف العاقدان بالبائع والمشتري ، ولكل ركن من الأركان أحكام وشروط سنذكرها على الترتيب الذي يلي:

الركن الأول: الصيغة

الصيغة في البيع هي كل ما يدل على رضاء الجانبين البائع والمشتري وهي أمران:

الأول: القول وما يقوم مقامه من رسول أو كتاب ، فإذا كتب لغائب يقول له: بعتك داري بكذا أو أرسل له رسولًا فقبل البيع في المجلس فإنه يصح ولا يغتفر له الفصل إلاّ بما يغتفر في القول حال حضور المبيع .

الثاني: المعاطاة وهي الأخذ والإعطاء بدون كلام كأن يشتري شيئًا ثمنه معلوم له فأخذه من البائع ويعطيه الثمن وهو يملك بالقبض ، ولا فرق بين أن يكون المبيع يسيرًا كالخبز والبيض ونحوهما مما جرت العادة بشرائه متفرقًا أو كثيرًا كالثياب القيمة .

وأما القول: فهو اللفظ الذي يدل على التمليك والتملك ، كبعت واشتريت ويسمى ما يقع من البائع إيجابًا ، وما يقع من المشتري قبولًا ، وقد يتقدم القبول على الإيجاب ، كما إذا قال المشتري: بعني هذه السلعة بكذا .

ويشترط للإيجاب والقبول شروط منها: أن يكون الإيجاب موافقًا للقبول في القدر والوصف والنقد والحلول والأجل ، فإذا قال البائع: بعت هذه الدار بألف فقال المشتري: قبلتها بخمسمائة لم ينعقد البيع ، وكذا إذا قال: بعتها بألف جنيه ذهبًا ، فقال الآخر: قبلتها بألف جنيه ورقًا ، فإن البيع لا ينعقد إلاّ إذا كانت الألف الثانية مثل الأولى في المعنى من جميع الوجوه فإن البيع ينعقد في هذه الحالة ومنها: أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد ، فإذا قال أحدهما: بعتك هذا بألف ثم تفرقا قبل أن يقبل الآخر فإن البيع لا ينعقد ومنها: أن يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل يدل على الإعراض ، أما الفاصل اليسير وهو الذي لا يدل على الإعراض بحسب العرف فإنه لا يضر .

ومنها: سماع المتعاقدين كلام بعضهما ، فإذا كان البيع بحضرة شهود فإنه يكفي سماع الشهود بحيث لو أنكر أحدهما السماع لم يصدق ، فإذا قال: بعت هذه السلعة بكذا ، وقال الآخر: قبلت ، ثم تفرقا فادعى البائع أنه لم يسمع القبول أو ادعى المشتري بأنه لم يسمع الثمن مثلًا فإن دعواهما لا تسمع إلاّ بالشهود .

الركن الثاني: العاقدان

وأما العاقدان سواءً كان بائعًا أو مشتريًا فإنه يشترط له شروط ، منها: أن يكون: مميزًا فلا ينعقد بيع الصبي الذي لا يميز ، وكذلك المجنون ، أما الصبي المميز والمعتوه اللذان يعرفان البيع وما يترتب عليه من الأثر ويدركان مقاصد العقلاء من الكلام ويحسنان الإجابة عنها ، فإن بيعهما وشراءهما ينعقد ولكنه لا ينفذ إلاّ إذا كان بإذن من الولي في هذا الشيء الذي باعه واشتراه بخصوصه ، ولا يكفي الإذن العام .

فإذا اشترى الصبي المميز السلعة التي أذن له وليه في شرائها انعقد البيع لازمًا ، وليس للولي رده ، أما إذا لم يأذن وتصرف الصبي المميز من تلقاء نفسه فإن بيعه ينعقد ، ولكن لا يلزم إلاّ إذا أجازه الولي ، أو أجازه الصبي بعد البلوغ ومنها: أن يكون: رشيدًا ، وهذا شرط لنفاذ البيع فلا ينعقد بيع الصبي مميزًا كان أو غيره ، ولا بيع المجنون والمعتوه والسفيه إلاّ إذا أجاز الولي بيع المميز منهم ، أما بيع غير المميز فإنه يقع باطلًا ولا فرق في المميز بين أن يكون أعمى أو مبصرًا .

ومنها: أن يكون: العاقد مختارًا فلا ينعقد بيع المكره ولا شراؤه لقوله تعالى: [ إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ] . سورة النساء ، الآية 29 .

وقوله عليه الصلاة والسلام: ( إنما البيع عن تراض ) رواه ابن حيان .

الركن الثالث: المعقود عليه

يشترط في المعقود عليه ثمنًا كان أو مثمنًا شروط منها:

أ - أن يكون طاهرًا فلا يصح أن يكون النجس مبيعًا ولا ثمنًا ، فإذا باع شيئًا نجسًا أو متنجسًا لا يمكن تطهيره فإن بيعه لا ينعقد ، وكذلك لا يصح أن يكون النجس أو المتنجس الذي لا يمكن تطهيره ثمنًا ، فإذا اشترى أحد عينًا طاهرة وجعل ثمنها خمرًا أو خنزيرًا مثلًا فإن بيعه لا ينعقد .

ب - أن يكون منتفعًا به انتفاعًا شرعيًا فلا ينعقد بيع الحشرات التي لا نفع فيها .

ج - أن يكون المبيع مملوكًا للبائع حال البيع ، فلا ينعقد بيع ما ليس مملوكًا إلاّ في السلم ، فإنه ينعقد بيع العين التي ستملك بعد .

د - أن يكون مقدورًا على تسليمه ، فلا ينعقد بيع المغصوب لأنه وإن كان مملوكًا للمغصوب منه إلاّ أنه ليس قادرًا على تسليمه إلاّ إذا كان المشتري قادرًا على نزعه من الغاصب ، وإلا صح ، وأيضًا لا يصح أن يبيعه الغاصب لأنه ليس مملوكًا .

هـ- أن يكون المبيع معلومًا والثمن معلومًا علمًا يمنع من المنازعة ، فبيع المجهول جهالة تقضي إلى المنازعة غير صحيح كما إذا قال للمشتري: اشتري شاة من قطيع الغنم التي أملكها أو اشتري مني هذا الشيء بقيمته أو اشتري مني هذه السلعة بالثمن الذي يحكم به فلان ، فإن البيع في كل هذا لا يصح .

و - أن لا يكون مؤقتًا كأن يقول له: بعتك هذا البعير بكذا لمدة سنة . 8

ومن الجدير بالملاحظة أنه في النظام الاقتصادي الإسلامي تخضع اركان وشروط عقد البيع في تنظيمها لقواعد الفقه الإسلامي المتعلق بالمعاملات .

وعند تطبيق هذه العقود لدى البنوك الإسلامية في عمليات التمويل ، فإن هذه العقود تخضع كذلك في تنظيمها للقواعد العامة للقانون الوضعي في الدولة التي يتم فيها التعاقد .

المطلب الثالث

أنواع البيوع

أولًا - تقسيم البيع باعتبار المبيع:

ينقسم البيع باعتبار موضوع المبادلة فيه إلى أربعة أقسام:

1 -البيع المطلق: هو مبادلة العين بالنقد وهو أشهر الأنواع ، ويتيح للإنسان المبادلة بنقوده على كل ما يحتاج إليه من الأعيان ، وينصرف إليه البيع عند الإطلاق فلا يحتاج كغيره إلى تقييد .

2 -بيع السلم: ويسمى السلف ، هو مبادلة الدين بالعين أو بيع شيء مؤجل بثمن معجل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت