3.عن أبي أمامة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه ، حرم الله عليه الجنة ، و أوجب له النار . قالوا: و إن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله ؟ قال: و إن كان قضيبًا من أراك ، و إن كان قضيبًا من أراك . قالها ثلاث مرات .7
وجه الاستدلال بهذا الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن من اقتطع حق امرئ مسلم مهما كانت قيمته و إن كان قضيبًا من أراك فإن نصيبه النار ، و لا جرم أن الغبن من ضمن أحكام هذا الحديث .
5.الأثر:
1.روى ابن حزم عن ابن سيرين: أن رجلًا قدم المدينة بجواري فنزل على ابن عمر فذكر الحديث ، وفيه أنه باع جارية من ابن جعفر ، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر ، فقال: يا أبا عبد الرحمن غبنت بسبعمائة درهم . فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر، فقال: أنه غبن بسبعمائة درهم فإما أن تعطيها إياه و إما أن ترد عليه بيعه ، فقال ابن جعفر ، بل نعطيها إياه .8
وجه دلالة هذا الأثر أن عبد الله بن جعفر و ابن عمر رأيا رد هذا البيع بسبب إشابته بالغبن المجرد الذي لم يشوبه التغرير أيضًا .
2.عن أبي بن كعب أن عمر بن الخطاب ، والعباس بن عبد المطلب تحاكما إليه في دار كانت للعباس إلى جانب المسجد أراد عمر أخذها ليزيدها في المسجد و أبى العباس ، فقال أبي ابن كعب لهما: لما أمر سليمان بناء بيت المقدس كانت أرضه لرجل فاشتراها سليمان منه فلما اشتراها قال له الرجل: الذي أخذت مني أم الذي أعطيتني ؟ قال سليمان: بل الذي أخذت منك ، قال: فإني لا أجيز البيع فرده ، فزاده ، ثم سأله ؟ فأخبره فأبى أن يجيزه .9
و جه الاستدلال بهذا الأثر أن الغبن المجرد موجب لفسخ العقد على الرغم من عدم اقترافه بأي تغرير .
د- المعقول:
أن الغبن ظلم و الله قد حرم الظلم على نفسه و جعله محرمًا بين عباده ، و الشريعة .
عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الله تبارك و تعالى قال: يا عبادي ! إني قد حرمت الظلم على نفسي ، و جعلته محرما بينكم فلا تظالموا .10
فالشريعة الإسلامية حاربت الظلم بكل أنواعه و أشكاله و جعلته محرمًا بين العباد .
و الغبن هو إحدى الأشكال التي حاربها الإسلام ، فدعى المتعاقدين إلى عدم أكل أموال بعضهم البعض إلا عن تراض .
قال تعالى: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) ( النساء: 29 ) .
الفرع الثاني
الغبن المقترن بالتغرير موجب لفسخ العقد
ذهب إلى هذا الاجتهاد رأي راجح عند الحنفية11 و الشافعية12 و المالكية في رأي راحج 13 و الحنابلة 14.
و استدل هؤلاء الفقهاء بعدم الاعتداد بالغبن إلا إذا كان مقترنًا بالتغرير بالحديث النبوي الشريف و العقل السليم .
أ - الحديث النبوي الشريف:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا أن رجلًا ذكر للنبي صلى الله عليه و سلم أنه يخدع في البيوع ، فقال: إذا تبايعتم فقل: لا خلابة .15
قال ابن حجر: كأنه أشار بهذه الترجمة - أي الإمام البخاري - إلى أن الخداع في البيع مكروه و لكنه لا يفسخ البيع إلا إذا شرط المشتري الخيار على ما تشعر به القصة المذكورة في الحديث .. و استدل بهذا الحديث لأحمد و أحمد في قولي مالك أنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة و تعقب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما جعل له الخيار لضعف عقله و لو كان يملك به الفسخ لما احتاج إلى شرط الخيار .16
و قال الشوكاني: استدل بهذه القصة على ثبوت الخيار لمن قال لا خلابة سواء غبن أم لا ، و سواء وجد غشًا أم لا و الظاهر أنه لا يثبت الخيار إلا إذا وجدت خلابة .17
ب - الأثر:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بالوادي بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع ، و كانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ، قال عبد الله: فلما وجب بيعي و بيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال ، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال .18
وجه الاستدلال بهذا الأثر أن ابن عمر قد غبن عثمان رضي الله عنه و مع ذلك لم يفسخ العقد لما يدل على أن الغبن المجرد ليس له أثر إلا إذا اقترن بالتغرير .
ج- المعقول:
1.قال ابن عابدين: إذ الرد مطلقًا ليس أرفق بالناس بل خلاف الأرفق ، لأنه يؤدي إلى كثرة المخاصمة و المنازعة في كثير من البيوع إذ لم تزل أصحاب التجارة يربحون في بيوعهم الربح الوفير ، و يجوز بيع القليل بالكثير و عكسه (19) .
2.ليس من مهمة المشرع أن يمنع التغابن المجرد عن الغش و الخديعة إنما مهمته أن يقيم المتعاقدين على قدم المساواة في الأهلية و الحرية كما أن على كل إن يحمي نفسه من الغبن و إن قصر في فتبعة المهمل أن تكون على حسابه . (20)
الفرع الثالث
مناقشة الأدلة و الترجيح
في ضوء ما تقدم نرى أن كلًا من الفريقين - يرحمهم الله تعالى - قد جاء بأدلة قوية لتدعيم اجتهاده القائلون بوجوب اقتران التغرير بالغبن حتى يكون للغبن مفعوله لفسخ العقد استدلوا فيما اجتهدوا به بالحديث و الأثر و المعقول .
بالنسبة للحديث فهو حديث صحيح رواه البخاري و مسلم - رضوان الله عليهما - و غيرهما و وجه الاستدلال بهذا الحديث ربما يدل على وجوب اقتران التغرير بالغبن لثبوت الخيار ، و لكن أيضًا يمكن أن يستدل على أن الغبن وحده كاف لثبوت خيار الغبن لأن الخلابة تعني الخديعة ومن الخديعة الغبن في السعر .
أما بالنسبة للأثر المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما فهو صحيح أيضًا بيد أنه يمكن أن يفسر بطريقة ثانية ، وهي أن ابن عمر قد ظن أنه غبن عثمان بن عفان ، و هذا الظن قد تولد بعد خروج ابن عمر من المجلس لقوله: فلما وجب بيعي رأيت أني قد غبنته"فعبد الله قد ظن بالغبن بعد خروجه من المجلس و ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين . (21) "
فعبد الله بن عمر و عثمان بن عفان قد تبايعا بعد أن تساوما و تماكسا و علم كل واحد منهما أنه غير مغبون في بيعه أو شرائه ثم تولد الشك بالغبن عند ابن عمر ، بيد أن عثمان بن عفان ظل على يقينه بأنه لم يغبن ، ولو كان غير ذلك لطلب فسخ العقد ، والله سبحانه أعلم .
أما بالنسبة لما أورده ابن عابدين من حجج ، فيكم الرد عليها بما يلي:
أن قول ابن عابدين أن التجارة مبنية على الربح و الخسارة فهذا القول صحيح لا غبار عليه أبدًا .