فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 1226

وأكثر الشركات القائمة تتعامل بهذين النوعين من الإصدارات.

أما النوع الثالث -وهو المهم- فهو الأسهم، وقد أصبح حديث الناس، واستولى على جل أوقاتهم وأموالهم، وأشغلهم أيما إشغال.

والأسهم نوعان: أسهم بالاسم، وأسهم لحامل السند:

فأما الأسهم لحامله: فهي حرام؛ لما في ذلك من إضاعة الحقوق، ولما يعتريها من الجهالة؛ حيث لا يعرف الشريك من هو شريكه، ولو ضاعت الأوراق الخاصة بالسندات فوقعت في يد شخص آخر، لأصبح حاملًا له وهو غير مستحق له.. فمن هنا نشأ التحريم.

وأما الأسهم التي بالاسم: فهي نوعان أيضًا: أسهم عادية، وأسهم ممتازة.

ومعنى الامتياز في الأسهم: أن يكون لأصحابها ميزة، وهي التي يبقى لأصحابها الحق عند إفلاس الشركة أو تصفيتها في أخذ حقوقهم كاملة.

ومن المعلوم أن هذا التمييز باطل؛ إذ أن الأصل هو التساوي بين الشركاء وعدم التمييز بينهم بأي وجه من الوجوه، فهم شركاء في الربح وفي الخسارة، أما إذا جعلنا لأحد المساهمين ميزة بأن نضمن له عدم الخسارة، أو أن له الحق في أن يسحب ماله متى شاء دون غيره؛ فهذا حرام بلا شك؛ لما فيه من الظلم لباقي الشركاء، وعدم تساويهم؛ لأنه ليس لبعضهم فضل على بعض فيما اشتركوا فيه.

ومن هذا التمييز نوع يسمى: أسهم التمتع، وهي التي يستحق أصحابها ربحًا بعد بيع أسهمهم وسحب أموالهم؛ وهذا حرام؛ لأنه لم يبق له حق في الشراكة بعد سحب ماله، فعلى أي أصل يعطى مثل ما يعطى بقية الشركاء وقد سحب أسهمه؟!

وأما الأسهم العادية: فلا تخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أن تقوم الشركة على أصول شرعية، وتمارس جميع أعمالها على نقاء وبُعد عن الربا والكذب والجهالة والغرر والنجش، وتطبق جميع الضوابط الشرعية التي نص عليها أهل العلم في كتبهم، فهذه تباح المشاركة فيها؛ بل يندب دعمها ولو قلّت أرباحها؛ لما في ذلك من إحياء سنة المشاركة، والتوحد على إقامة المشاريع المربحة والمنتجة، ولكونها تستوعب قدرًا كبيرًا من الطاقات الشابة، فتقضي على البطالة، ويكثر الإنتاج ويعم الخير.

لكن مثل هذه الشركات عزيزة الوجود؛ لأن قيامها مرهون بوجود نظام إسلامي يحميها ويرعاها، إلا أن إقامتها غير مستحيلة، وممكنة إذا صلحت النيات، واجتمعت الخبرات من علماء الشريعة وعلماء الاقتصاد المعاصر لبناء تلك الشركات على أصول شرعية في جميع أحوالها ونشاطها، وقد تحقق أرباحًا تفوق الخيال بمباركة الله تعالى لها؛ لكونها قائمة على أصول شرعية.

الحالة الثانية: ما هو منتشر الآن من قيام شركات على نظم قانونية بحتة، لاتحل حلالًا ولا تحرم حرامًا، تتعامل بالربا، وتقترض بالربا، وتأخذ الأرباح الربوية، فتسجل تحت بند (أرباح بنكية) ، أو يقال: (أرباح أخرى) ، فمتى عُرف هذا عن أي شركة من الشركات فإنه يحرم المساهمة فيها أيًا كانت نسبة الربا؛ لأن الله تعالى يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) [البقرة:278] ، و (ما) من ألفاظ العموم. وقال صلى الله عليه وسلم: (وكل ربا موضوع تحت قدمي هاتين) . و (كل) أيضًا من ألفاظ العموم، فيدخل في ذلك الربا بكل صوره وأشكاله ونسبه؛ فهو حرام بتحريم الله تعالى له وتحريم رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تفريق بين نسبة وأخرى منه.

والشركات القائمة الآن منها ما هي صريحة في تعاملها بالربا، فهذه لا يجوز الدخول في أسهمها؛ لا مساهمة، ولا بيعًا، ولا شراءً، ولا تداولًا، ولا تورقًا.

ومنها شركات لا تأخذ الربا والفوائد البنكية، لكنها تعطيها؛ حيث تقترض من البنوك لحاجتها إلى المال وتدفع لهم فوائد ربوية، ولاشك أنها كالمعطي له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الآخذ والمعطي فيه سواء) ، ولا أظن شركة تسلم من هذا النوع، فلو لم تكن آخذة للربا فهي معطية له.

سادسًا: مفاسد مترتبة على المساهمة في شركات الأسهم:

هناك مفاسد عظيمة مترتبة على هذا النوع من أنواع الشركات، وهذه المفاسد منها ما هو متعلق بالشركات نفسها، ومنها ما هو متعلق بالمساهمين.. وهاكها فيما يلي:

1-إن تجارة الأسهم يعتريها الكذب والمخادعة والجهالة بالحال، فقد يعلن عن أسعار بعض أسهم الشركات بسعر وهي لم تصل إلى ذلك؛ لإغراء الناس بالشراء، ولا تكاد تستقر الأمور حتى يتراجع المؤشر.. وهكذا، فهناك لعبة يمارسها المتنفذون مع الهوامير في تجارة الأسهم، فإذا أرادوا بيع الأسهم رفعوا الأسعار، وإذا أرادوا الشراء خفضوا أسعارها، وجمهرة المشاركين هم المتضرر الحقيقي في هذه اللعبة القذرة وهم لا يعلمون!!

2-ومن العجيب أنه قد تخسر شركة من الشركات إلى حد الإفلاس، وإذا بها تعلن عن أسهم للمشاركين، فإذا بها ترد خسارتها؛ بل وأكثر من ذلك، حتى إن شركة مشهورة بلغت خسارتها أكثر من سبعمائة مليون ريال، وكانت الفكرة -بدلًا من إعلان الإفلاس- طرحها مساهمة، فأقبل الناس عليها لشهرتها، فغطت العجز وزاد ميزان الفائض!! وفي هذا مخادعة وكذب، وأكل لأموال الناس بالباطل.

بل إن بعض الشركات أعلنت عن تكبدها خسائر فادحة، ثم طرحت أسهمًا، فتنافس الناس عليها!!

3-والأعجب من هذا كله أنك لا تكاد تسمع بمساهمة إلا وانكب الناس عليها دون دراسة لجدواها، أو معرفة لكيفية ممارستها، والكثرة الكاثرة من المساهمين يقترضون بالآجل، فيشترون الأسهم بزيادة ويبيعونها بخسارة كبيرة؛ للحصول على المال من أجل المضاربة في الأسهم، وبعضهم يبيع منزله أو سيارته ويغامر بماله، فربما ربح (وقليل ما هم) ، ومثل هؤلاء يمدحون المتاجرة بالأسهم؛ لأنه لا يمدح السوق إلا من ربح فيه!

والكثرة الكاثرة إما أن يخسروا، أو يربحوا ربحًا زهيدًا، فمثلًا: تجد قيمة السهم في بعض الشركات بمبلغ ألف وستمائة ريال، وعند توزيع الأرباح السنوية قد لا يحصل المساهم إلا على بضعة عشر ريالًا لمدة عام أو أكثر، فهل هذا معقول؟!!

4-ومن المفاسد: أن بعض الشركات تبدأ في بيع وشراء الأسهم وهي لم تقمْ بعدُ على وجه الواقع، فهذا بيع وشراءٌ للمال بالمال، وهو حرام بالاتفاق.

5-مما لاشك فيه أن طرح أسهم الشركات للاكتتاب من أعظم ما أشغل الناس حتى عن أداء الواجبات، فمنهم من أشغلته عن الصلاة، أو استولت على فكره فلا يدري كم صلى إمامه !

ومن الموظفين من يغلق بابه ويدخل عن طريق الإنترنت في عملية البيع والشراء، ويستغرق ذلك ساعات طويلة، وبذلك يضيع عمله، وإذا سئل عنه قالوا: عنده اجتماع في الداخل!! ونندب القارئ الكريم إلى الدخول إلى موقع (تداول) لكي يحكم عن قرب ومشاهدة، فينظر السّعار الذي يصاحب هذا النوع من المعاملة، وكذلك يطل على منتديات المستثمرين فينظر ما يدار من حديث بين المشاركين، وما يقع فيه من سورة للمغالبة والكسب.

ومن الموظفين والمعلمين من يستأذن، أو يخرج بغير إذن ليذهب إلى صالة تداول الأسهم في البنوك، تاركًا عمله مضيعًا طلابه، ولو دخلت عليهم وهم محدقون بالشاشات ولا يدرون ما حولهم؛ لعلمت كيف أشغلتهم الأسهم وتداولها حتى عن أنفسهم! وما أدى إلى إضاعة الحقوق والواجبات فهو حرام، وهذا من أهداف اليهود عليهم غضب الله!!

6-الانشغال بالأسهم يعطل كثيرًا من الأعمال الإنتاجية؛ كالتجارة الحلال، والزراعة، والصناعة؛ نظرًا لاستيعاب السوق لرءوس الأموال التي يمكن توظيفها في مشاريع إنتاجية تدر أرباحًا حلالًا وطيبة، وتقضي على البطالة، وتفتح بيوتًا، وتسد كثيرًا من الحاجات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت