القاعدة"القانونية"التي تستند عليها الانتخابات العراقية المزمع قيامها في نهاية شهر يناير ( كانون الثاني ) في مطلع العام القادم هي فقرة من"قانون"إدارة الدولة وتنص: إن العراق دائرة انتخابية واحدة ، ويتحدد عدد المقاعد في البرلمان لكل من الأحزاب أو القوائم من خلال عدد الأصوات التي يحصل عليها ، وتعتبر الفقرة التي تدعوا إلى إجراء إحصاء سكاني في شهر اكتور ( تشرين الأول ) من هذا العام شرط لازم وضروري ، ليس لتهيئة القوائم الانتخابية فحسب ولكن أيضًا لحسم الخلافات حول البنية العرقية والدينية والطائفية للشعب العراقي في المحافظات وخاصة المحافظات الأكثر جدلًا ، مثل محافظة التأمييم التي تبلغ نسبة الأكراد فيها حوالي 47% بينما تبلغ نسبة الأكراد في مدينة كركوك نفسها 35% وتبلغ نسبة التركمان فيها 40% ، فيما يشكل العرب والآشورين نسبة 25% ، حسب إحصاءات عام 1957 التي جرت في العهد الملكي . إن نموذج كركوك يقدم صورة لما يراد للعراق في العهد الأمريكي ، وهو تأهيل حزب امريكا للاستحواذ على السلطة في مجموع التراب الوطني العراقي بادعاءات وفرضيات لا تمت للواقع والحقيقة بصلة . ولهذا وجد"قانون"إدارة الدولة ، وخاصة ما يتعلق بالانتخابات العامة . إن القاصي والداني يعرف أن إجراء إحصاء سكاني في العراق ، وتحت ضروف الاحتلال والإحلال ، أمر مستحيل وغير مرغوب من قوى الإحلال التي هيمنت على مفاصل الدولة العراقية وفق المعادلة التفاضلية التي حددت النسب في مجلس الحكم ، وها شهر تشرين الأول يكاد ينقضي دون أن يحصى سكان قرية واحدة على أرض العراق . والإحصاء شرط لازم وضرورة لتحديد أو للتأكد من النسب المدعاة ، للأعراق والأديان والطوائف ، من قبل حزب أمريكا وترتيب المرشحين وفق هذه النسب على سلم القوائم الانتخابية ، خاصة في الانتخابات التي تجري وفق النظام النسبي الذي اعتمد في"قانون"إدارة الدولة ، وهذا أول الغيث في عالم التزوير والخداع والتضليل المرسوم سلفًا . اعتمد"قانون"إدارة الدولة النظام النسبي واعتبر مجموع التراب الوطني دائرة انتخابية واحدة . هذه الصيغة ، كما هو معرف ، اعتمدت في"إسرائيل"عام 1949 حيث كان سكان الأراضي المغتصبة عبارة عن شذاذ الأفاق الذين تداعوا من كل حدب وصوب لإقامة دولتهم الأسطورية على مساحة لا تزيد عن 20 ألف كيلو متر مربع وعدد السكان قد يصل إلى 1,5 مليون نسمة ، أي أقل مساحة وسكانًا من محافظة واحدة من محافظات العراق 18 . هنا أيضًا تتجلى العقلية الصهيونية التي اعتبرت العراق ، بعد سقوط النظام ، حالة مشابهة"لإسرائيل"بعد فرضها من قبل الأمم المتحدة . العراق المحتل يجب أن يأخذ بهدي الصهاينة ونصائحهم ويقتفي أثرهم في بناء الديمقراطية ، ولهذا كان لكل وزير أو مسؤول"عراقي"بعد الاحتلال ناكر ونكير من الأمريكان الصهاينة يشدد به أزره ويشركه في أمره . إنه الإحلال حسب نظريةالدكتور شاكر النابلسي . نظام الانتخابات النسبي جيد من حيث المبدأ ، وقد يصبح الأسواء إذا لم يطبق بدقة وحصافة ، وقد يصبح أشبه بعملية سطو همجية على إرادة الأمة إذا طبق على الطريقة العلاوية أو البرازانية . ويبدوا لنا ، من خلال المعطيات على أرض الواقع ، أن الشروط اللزمة والكافية لعملية السطو أخذت تتكامل منها: اعتبار العراق مركز انتخابي واحد ، عدم وجود احصاءات يعتد بها ، استفزاز القوى الوطنية والاسلامية ودفعها إلى العنف أو الاستسلام المهين . محاولات مستمرة لشراء الذمم والضمائر ، مستغلين الوضع الاقتصادي المتردي ، مما يخفض اسعار سلعة الضمير في سوق النخاسة الدولية . السؤال الذي لن يلقى جوابًا مقنعًا لأحد هو: لماذا لم يطبق نظام الانتخاب النسبي معتبرًا كل من المحافظات العراقية الثمانية عشر ( الأنبار، البصرة ، المثنى ، القادسية ، النجف ، أربيل ، السليمانية ، التأميم ، بابل ، بغداد ، داهوك ، ذي قار ، ديالا ، ميسان ، صلاح الدين ، واسط ) مركزًا انتخابًا قائمًا بذاته ، حيث يتمتع الناخب بصوتين ، الأول يعطى لأحد قوائم مرشحي المحافظة ، والثاني يعطي لأحد قوائم مرشحي القطر ، كما هو الحال في كل الدول التي تأخذ بالنظام النسبي ، ألمانيا مثلًا ؟ . هذه العملية البسيطة ستكشف زيف وكذب كل الادعاءات التي أطلقها الحزب الأمريكي عن بنية العراق العرقية والدينية والطائفية ، كما تضع بعض العلاقيل في وجه عملية السطو المبيتة . إن هناك خمس شروط أو معاير عالمية يجب توفرها لاعتبار العملية الانتخابية نزية وشرعية . في مقدمة هذه الشروط: أن تكون عامة ، أي توفير كل التسهيلات لكي يدلي كل من يحق له التصويت بصوته ، وعندما يعلن المحتل على لسان وزير الحرب دونالد رمسفيلد أن الانتخابات قد تكون جزئية فهناك احتمالان لا ثالث لهما . الأول أن تجرى الانتخابات في جزء من العراق لينتخب 275 نائبًا يمثلون أرادة الشعب العراقي ككل وهذا يعني إقصاء جزء من الشعب العراقي وبالتالي فالانتخابات غير عامة أي باطلة أصلًا ، والاحتمال الثاني أن تجرى الانتخابات في جزء من العراق
لينتخب جزء من المجلس النيابى وبالتالى يمثل جزء من إرادة الشعب العراقي ولهذا لا يحق له أن يعطي الثقة لحكومة تمثل الشعب العراقي ، ثم ماهي القاعدة الاحصائية التي تخول تحديد عدد النواب للجزء الذي ستجري فيه الانتخابات ، وعدد النواب الذين سينتخبون فيما بعد"عندما تستقر الضروف"، وإذا ضربنا صفحًا عن كل هذه الاعترضات ، التي لا يمكن أن يضرب الصفح عنها ، ألا يدعونا كل هذا التضليل إلى الاعتقاد الاستنتاجي العقلاني أن نجزم أن حزب أمريكا يبحث عن فذلكة أمريكية لتقليص دور جزء أساسي ومهم في بنية العراق الاجتماعية والحضارية والسياسية . كل هذا يرسخ اعتقادنا أن العملية الانتخابية والديمقراطية الأمريكية عبارة عن لعبة Game الفائز فيها معروف سلفًا . برقيات التهنئة وعبارات الاعجاب وهيصة الفرح ، والتهليل للشعب العراقي الحضاري العريق الذي اجتاز المخاض الديمقراطي العسير بكل جدارة ، أعتقد أنها معدة سلفًا ، ربما أن هناك كذاب أشر حصل على جائز نوبل يتدرب الآن على أيدي خبراء في الإعلام كيف يؤدي انحناءة الأكبار والتبجيل للشعب العراقي العظيم الذي فاز بالديمقراطية الأمريكية ، ولله في خلقه شؤون .