فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 1226

عصر الربا من التنوع والكثرة بما لا يعد . وهناك عقوبات معنوية يعاني منها أكثر

الناس ولم يكتشفوا سر تلك المعاناة ومنها: استعباد المادة للإنسان بحيث تحولت من

كونها وسيلة لراحته وهنائه إلى غاية ينصب في تحصيلها ، ثم يشقى بحفظها ،

ويخشى فواتها . وتلك عقوبة أيًُّ عقوبة ! !

إن الإنسان في العصر الرأسمالي الذي أساسه الربا يريد الاستغناء بالأشياء ،

فإذا ما استغنى بها سيطر عليه هاجس زوالها فيظل شقيًا في تحصيلها ، شقيًا في

الحفاظ عليها ، وهل يجد لذة الحياة من نعم جسده ، وعذّب قلبه ، وأي عذاب أعظم

من عذاب القلب ؟

وقد كان الإنسان قبل العصر الرأسمالي يستغني عما لا يستطيع تحصيله ،

ويقنع بما كتب له ، فيرتاح باله ، ويطمئن قلبه .

2-الربا سبب لازدياد الفقر:

سيطرة المادة على الناس ، وخوفهم من الفقر والحاجة ، وانعدام قناعتهم

بالضروري من العيش ، وتطلعهم إلى كماليات لا يحتاجونها ، إلى غير ذلك انتشر

وساد في العصر الرأسمالي الربوي ، وكل ذلك وتوابعه ليست أخلاقا ذميمة فحسب ؛

بل هو عقوبات وعذاب يتألم الناس من جرائها في زمن انتشار الربا ؛ حتى

أصبح الفقير يريد الغنى ، والغني يريد أن يكون أكثر ثراء ، وصاحب الثراء

الفاحش يريد السيطرة على أسواق المال في سلسلة لا تنتهي من الجشع وحب الذات

وكراهية المتنافسين ، وغير ذلك من الأخلاق الرديئة ، وصار في الناس مستورون

لا يقنعون ، وأغنياء لا يحسنون ولا يتصدقون إلا من رحم الله تعالى .

وإذا ما استمر العالم على هذا النحو من تفشي الربا ، وارتباط المعاملات

المالية به فإن النهاية المحتومة ازدياد الفقر والجوع حتى يهلك أكثر البشر ،

واجتماع المال في خزائن فئة معدودة من كبار المرابين ، وهذا ما جعل أحد كبار

الاقتصاديين الأوروبيين يطلق على الربا: تجارة الموت ، فيقول:( الربا تجارة

الموت ، ومن شأنه أن يشعل الرأسماليون الحرب وإن أكلت أكبادهم في سبيل

مضاعفة رأس المال ببيع السلاح ) [30]

وما حطم قيمة الأوراق النقدية ، وقضى على أسعار العملات إلا الربا الذي

يقوم عبره عصابة من المرابين بضخ المال في عملة من العملات ثم سبحه من

رصيدها لتقع قيمتها من القمة إلى الحضيض ، فيصيب الفقر شعوبًا وأممًا لا تملك

سوى عملتها التي ما عادت تساوي شيئًا ، وليس ببعيد عن الأذهان ما حصل لبعض

دول شرق آسيا .

3-الربا سبب لرداءة النقود وضعفها:

المتخصصون في الاقتصاد يقررون أن النقود هي دماء الاقتصاد ، والنقود

السليمة هي التي تجعل الاقتصاد سليمًا ؛ ولكن نقود العالم الحالية مريضة بالتضخم

الناتج عن الربا ، ولا يمكن علاجها إلا بمعالجة التضخم ، ولن يتم علاجه إلا بإلغاء

فوائد الربا . ويشخص هذه الحقيقة الاقتصادي الألماني: ( جوهان فيليب بتمان )

مدير البنك الألماني ( فرانكفورت ) فيقولك: كلما ارتفعت الفائدة تدهور النقد ، فكما

يؤدي الماء إلى رداءة النقود . قد يبدو الأمر أننا نسوق تعبيرات أدبية ، أو أننا

نبسط المسألة ونسطحها ؛ ولكن الحقيقة أن هذه العبارة السهلة البسيطة هي في

الواقع معادلة سليمة وصحيحة تدل عليها التجربة ، ويمكن إثباتها ؛ فالفائدة العالية

تدمر قيمة النقود ، وتنسف أي نظام نقدي ما دامت تزيد كل يوم ، وتتوقف سرعة

التدمير وحجمه على مقدار الفائدة ومدتها [31] .

وهكذا صارت عاقبة الربا وإن كثر إلى قِلٍّ وهذه صورة من صور المحق

التي يسببها الربا للأموال المتعاملين به .

وبسبب انتشار الربا في المعاملات المالية أضحت البورصات العالمية وكأنها

صالة قمار واسعة ، ليس الأمر فيها يتصل بالمقامرات غير المحسوبة فحسب ؛ بل

إن هناك من يبيع دائمًا ما لا يملك ، ومن يشتري من دون أن يدفع ثمنًا . ومن

يتظاهر بأن هناك أسهما لشركات وما هي في الواقع بشركات ، ومن يقيد بالدفاتر

مليارات كبيرة دون أن يراها ، ودون أن يقابلها رصيد من أي نوع ، إنها الفائدة

الملعونة المسؤولة عن المصائب الكبرى في النظام النقدي العالمي ، وهي المسؤولة

عن التضخم ، وعن ضياع الأموال ، وعن عجز دفع المدينين ديونهم ، كما قرر

حقيقة ذلك الاقتصادي الغربي ( موريس آليه ) الحائز على جائزة نوبل في

الاقتصاد [32] .

4-الربا سبب لرفع الأمن وانتشار الخوف:

تسود الأنانية وحب الذات وانعدام الرحمة كل المجتمعات التي ينتشر فيها

الربا ؛ فالموسرون المرابون يقرضون الفقراء المحتاجين بفوائد الربا التي تزداد مع

طول المدة وشدة الحاجة ، مما يجعلهم عاجزين عن السداد . والنتيجة النهائية: إما

أن يسرقوا لسداد القروض الربوية ، وإما أن تصادر أملاكهم وتباع للمقرضين ؛

ليعيشوا وأسرهم بقية أعمارهم على قارعة الطريق يتكففون الناس ، أو في الملاجئ

والدور الاجتماعية مما يكون سببًا في قتل كرامتهم ، وحرمان المجتمع من عملهم

وإنتاجهم .

إن الربا هو السبب الرئيس في انتشار الجريمة والانتقام بين أصحاب رءوس

الأموال وكبار المرابين ، مما يكون سببًا في رفع الأمن ، وبسط الخوف والذعر في

المجتمعات .

وواقع كثير من البلدان التي ينتشر فيها الربا شاهد على ذلك ، وهل يستطيع إنسان

بِيعَ بيتُه ، وشُرِّدَ هو وأولاده لسداد ما عليه من قروض الربا أن يصبر عن الانتقام ؟

وماذا يبقى له في الدنيا إذا كان يريد العيش لها إلا أنه فقدها فجأة ؟ ! .

وأخيرًا .. اجتناب الربا أهون من التخلص منه:

إن المتعامل بالربا يعز عليه الخلاص منه بعد الغرق فيه ، ولا سيما إذا كانت

تجارته كلها مؤسسة عليه . ولا ينجو من ذلك بعد الانغماس فيه ، ويبادر بالتوبة

والخلاص منه إلا من هدي للرشاد ووفق للخير .

قد يغتر المبتدئ في حياته الوظيفية أو التجارية بالقروض الربوية الميسرة أو

بالفوائد المركبة والبسيطة التي تعلن عنها بين حين وآخر البنوك الربوية ؛ بقصد

أكل أموال الناس بالباطل ، ويتولى إثم الإعلان عنها ، والدعاية لها المؤسسات

الإعلامية المختلفة من مشاهد ومسموع ومقروء ؟ ولكن ذلك المسكين الذي أغتر بها

حين يفرق في الربا ربحًا أو خسارة فلن ينجو بسهولة ، وكان الأسهل عليه أن

يجتنب طريقها أولًا .

إنه قد يربح الفوائد من الإيداع ولكنه سيخسر بركة ماله ، ولقمة الحلال ودينه

وآخرته ، وإن كان مقترضًا فسيجني أغلال الديون مع الإثم والفقر .

والشاب الذي يغريه راتب الوظيفة الربوية وسيارتها وبعثاتها وميزاتها عليه

أن يتذكر أن عاقبة ذلك خسران في الدنيا والآخرة ، والرضى بالقليل الحلال خير

وأعظم بركة من الكثير الحرام ، ولن يندم عبد تحرى الحلال في كسبه وإن فاته

الكثير من المال ؛ لكنه سيندم أشد الندم إن أدخل في جوفه حرامًا ، وقد يكون ندمه

متأخرًا لا ينفعه .

والله - تعالى - قال:[ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ

إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ] ( البقرة: 275 )

(1) أخرجه مسلم في الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه (147) .

(2) تفسير ابن كثير (1/889- 890) .

(3) لم يأت إطلاق لفظ المحاربة في الشريعة - حسب علمي - إلا على ثلاث من الكبائر: أ- أكل الربا وفيه قول الله - تعالى -: [ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ] (البقرة: 279) ب- قطع الطريق وفيه قوله - تعالى-: [ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت