عصر الربا من التنوع والكثرة بما لا يعد . وهناك عقوبات معنوية يعاني منها أكثر
الناس ولم يكتشفوا سر تلك المعاناة ومنها: استعباد المادة للإنسان بحيث تحولت من
كونها وسيلة لراحته وهنائه إلى غاية ينصب في تحصيلها ، ثم يشقى بحفظها ،
ويخشى فواتها . وتلك عقوبة أيًُّ عقوبة ! !
إن الإنسان في العصر الرأسمالي الذي أساسه الربا يريد الاستغناء بالأشياء ،
فإذا ما استغنى بها سيطر عليه هاجس زوالها فيظل شقيًا في تحصيلها ، شقيًا في
الحفاظ عليها ، وهل يجد لذة الحياة من نعم جسده ، وعذّب قلبه ، وأي عذاب أعظم
من عذاب القلب ؟
وقد كان الإنسان قبل العصر الرأسمالي يستغني عما لا يستطيع تحصيله ،
ويقنع بما كتب له ، فيرتاح باله ، ويطمئن قلبه .
2-الربا سبب لازدياد الفقر:
سيطرة المادة على الناس ، وخوفهم من الفقر والحاجة ، وانعدام قناعتهم
بالضروري من العيش ، وتطلعهم إلى كماليات لا يحتاجونها ، إلى غير ذلك انتشر
وساد في العصر الرأسمالي الربوي ، وكل ذلك وتوابعه ليست أخلاقا ذميمة فحسب ؛
بل هو عقوبات وعذاب يتألم الناس من جرائها في زمن انتشار الربا ؛ حتى
أصبح الفقير يريد الغنى ، والغني يريد أن يكون أكثر ثراء ، وصاحب الثراء
الفاحش يريد السيطرة على أسواق المال في سلسلة لا تنتهي من الجشع وحب الذات
وكراهية المتنافسين ، وغير ذلك من الأخلاق الرديئة ، وصار في الناس مستورون
لا يقنعون ، وأغنياء لا يحسنون ولا يتصدقون إلا من رحم الله تعالى .
وإذا ما استمر العالم على هذا النحو من تفشي الربا ، وارتباط المعاملات
المالية به فإن النهاية المحتومة ازدياد الفقر والجوع حتى يهلك أكثر البشر ،
واجتماع المال في خزائن فئة معدودة من كبار المرابين ، وهذا ما جعل أحد كبار
الاقتصاديين الأوروبيين يطلق على الربا: تجارة الموت ، فيقول:( الربا تجارة
الموت ، ومن شأنه أن يشعل الرأسماليون الحرب وإن أكلت أكبادهم في سبيل
مضاعفة رأس المال ببيع السلاح ) [30]
وما حطم قيمة الأوراق النقدية ، وقضى على أسعار العملات إلا الربا الذي
يقوم عبره عصابة من المرابين بضخ المال في عملة من العملات ثم سبحه من
رصيدها لتقع قيمتها من القمة إلى الحضيض ، فيصيب الفقر شعوبًا وأممًا لا تملك
سوى عملتها التي ما عادت تساوي شيئًا ، وليس ببعيد عن الأذهان ما حصل لبعض
دول شرق آسيا .
3-الربا سبب لرداءة النقود وضعفها:
المتخصصون في الاقتصاد يقررون أن النقود هي دماء الاقتصاد ، والنقود
السليمة هي التي تجعل الاقتصاد سليمًا ؛ ولكن نقود العالم الحالية مريضة بالتضخم
الناتج عن الربا ، ولا يمكن علاجها إلا بمعالجة التضخم ، ولن يتم علاجه إلا بإلغاء
فوائد الربا . ويشخص هذه الحقيقة الاقتصادي الألماني: ( جوهان فيليب بتمان )
مدير البنك الألماني ( فرانكفورت ) فيقولك: كلما ارتفعت الفائدة تدهور النقد ، فكما
يؤدي الماء إلى رداءة النقود . قد يبدو الأمر أننا نسوق تعبيرات أدبية ، أو أننا
نبسط المسألة ونسطحها ؛ ولكن الحقيقة أن هذه العبارة السهلة البسيطة هي في
الواقع معادلة سليمة وصحيحة تدل عليها التجربة ، ويمكن إثباتها ؛ فالفائدة العالية
تدمر قيمة النقود ، وتنسف أي نظام نقدي ما دامت تزيد كل يوم ، وتتوقف سرعة
التدمير وحجمه على مقدار الفائدة ومدتها [31] .
وهكذا صارت عاقبة الربا وإن كثر إلى قِلٍّ وهذه صورة من صور المحق
التي يسببها الربا للأموال المتعاملين به .
وبسبب انتشار الربا في المعاملات المالية أضحت البورصات العالمية وكأنها
صالة قمار واسعة ، ليس الأمر فيها يتصل بالمقامرات غير المحسوبة فحسب ؛ بل
إن هناك من يبيع دائمًا ما لا يملك ، ومن يشتري من دون أن يدفع ثمنًا . ومن
يتظاهر بأن هناك أسهما لشركات وما هي في الواقع بشركات ، ومن يقيد بالدفاتر
مليارات كبيرة دون أن يراها ، ودون أن يقابلها رصيد من أي نوع ، إنها الفائدة
الملعونة المسؤولة عن المصائب الكبرى في النظام النقدي العالمي ، وهي المسؤولة
عن التضخم ، وعن ضياع الأموال ، وعن عجز دفع المدينين ديونهم ، كما قرر
حقيقة ذلك الاقتصادي الغربي ( موريس آليه ) الحائز على جائزة نوبل في
الاقتصاد [32] .
4-الربا سبب لرفع الأمن وانتشار الخوف:
تسود الأنانية وحب الذات وانعدام الرحمة كل المجتمعات التي ينتشر فيها
الربا ؛ فالموسرون المرابون يقرضون الفقراء المحتاجين بفوائد الربا التي تزداد مع
طول المدة وشدة الحاجة ، مما يجعلهم عاجزين عن السداد . والنتيجة النهائية: إما
أن يسرقوا لسداد القروض الربوية ، وإما أن تصادر أملاكهم وتباع للمقرضين ؛
ليعيشوا وأسرهم بقية أعمارهم على قارعة الطريق يتكففون الناس ، أو في الملاجئ
والدور الاجتماعية مما يكون سببًا في قتل كرامتهم ، وحرمان المجتمع من عملهم
وإنتاجهم .
إن الربا هو السبب الرئيس في انتشار الجريمة والانتقام بين أصحاب رءوس
الأموال وكبار المرابين ، مما يكون سببًا في رفع الأمن ، وبسط الخوف والذعر في
المجتمعات .
وواقع كثير من البلدان التي ينتشر فيها الربا شاهد على ذلك ، وهل يستطيع إنسان
بِيعَ بيتُه ، وشُرِّدَ هو وأولاده لسداد ما عليه من قروض الربا أن يصبر عن الانتقام ؟
وماذا يبقى له في الدنيا إذا كان يريد العيش لها إلا أنه فقدها فجأة ؟ ! .
وأخيرًا .. اجتناب الربا أهون من التخلص منه:
إن المتعامل بالربا يعز عليه الخلاص منه بعد الغرق فيه ، ولا سيما إذا كانت
تجارته كلها مؤسسة عليه . ولا ينجو من ذلك بعد الانغماس فيه ، ويبادر بالتوبة
والخلاص منه إلا من هدي للرشاد ووفق للخير .
قد يغتر المبتدئ في حياته الوظيفية أو التجارية بالقروض الربوية الميسرة أو
بالفوائد المركبة والبسيطة التي تعلن عنها بين حين وآخر البنوك الربوية ؛ بقصد
أكل أموال الناس بالباطل ، ويتولى إثم الإعلان عنها ، والدعاية لها المؤسسات
الإعلامية المختلفة من مشاهد ومسموع ومقروء ؟ ولكن ذلك المسكين الذي أغتر بها
حين يفرق في الربا ربحًا أو خسارة فلن ينجو بسهولة ، وكان الأسهل عليه أن
يجتنب طريقها أولًا .
إنه قد يربح الفوائد من الإيداع ولكنه سيخسر بركة ماله ، ولقمة الحلال ودينه
وآخرته ، وإن كان مقترضًا فسيجني أغلال الديون مع الإثم والفقر .
والشاب الذي يغريه راتب الوظيفة الربوية وسيارتها وبعثاتها وميزاتها عليه
أن يتذكر أن عاقبة ذلك خسران في الدنيا والآخرة ، والرضى بالقليل الحلال خير
وأعظم بركة من الكثير الحرام ، ولن يندم عبد تحرى الحلال في كسبه وإن فاته
الكثير من المال ؛ لكنه سيندم أشد الندم إن أدخل في جوفه حرامًا ، وقد يكون ندمه
متأخرًا لا ينفعه .
والله - تعالى - قال:[ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ
إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ] ( البقرة: 275 )
(1) أخرجه مسلم في الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه (147) .
(2) تفسير ابن كثير (1/889- 890) .
(3) لم يأت إطلاق لفظ المحاربة في الشريعة - حسب علمي - إلا على ثلاث من الكبائر: أ- أكل الربا وفيه قول الله - تعالى -: [ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ] (البقرة: 279) ب- قطع الطريق وفيه قوله - تعالى-: [ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن