فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 1226

ولو أسلم الحربي الذي بايع المسلم ودخل دار الإسلام ، أو أسلم أهل الدار: فما كان من ربا مقبوض أو بيع فاسد مقبوض فهو جائز ماض ، وما كان غير مقبوض يبطل ؛ لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (1) ، أمرهم سبحانه وتعالى بترك ما بقي من الربا ، والأمر بترك ما بقي من الربا نهي عن قبضه ، فكأنه تعالى قال: اتركوا قبضه ، فيقتضي حرمة القبض .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « كل ربا في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي » (2) . والوضع: عبارة عن الحط والإسقاط ، وذلك فيما لم يقبض ، ولأن بالإسلام حرم ابتداء العقد فكذا القبض بحكم العقد ؛ لأنه تقرير العقد وتأكيده ، فيشبه العقد فيلحق به ؛ إذ هو عقد من وجه فيلحق بالثابت من

(1) سورة البقرة الآية 278

(2) صحيح مسلم الحج (1218) ,سنن أبو داود المناسك (1905) ,سنن ابن ماجه المناسك (3074) ,مسند أحمد بن حنبل (3/321) ,سنن الدارمي المناسك (1850) .

كل وجه في باب الحرمات احتياطا ، ومتى حرم القبض لم يكن في بقاء العقد فائدة .

ومنها: أن لا يكون البدلان ملكا لأحد المتبايعين ، فإن كان لا يجري الربا ، وعلى هذا يخرج العبد المأذون إذا باع مولاه درهما بدرهمين ، وليس عليه دين أنه يجوز ؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فما في يده لمولاه ، فكان البدلان ملك المولى ، فلا يكون هذا بيعا ، فلا يتحقق الربا ؛ إذ هو مختص بالبياعات .

وكذلك المتعاوضان إذا تبايعا درهما بدرهمين يجوز ؛ لأن البدل من كل واحد منهما مشترك بينهما ، فكان مبادلة ماله بماله ، فلا يكون بيعا ولا مبادلة حقيقة . وكذلك الشريكان ، شركة العنان إذا تبايعا درهما بدرهمين من مال الشركة جاز لما قلنا .

ولو تبايعا من غير مال الشركة لا يجوز ؛ لأنهما في غير مال الشركة أجنبيان . ولو كان على العبد المأذون دين فباعه مولاه درهما بدرهمين لا يجوز بالإجماع . أما عند أبي حنيفة رحمه الله فظاهر ؛ لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عندهم فلم يجتمع البدلان في ملك واحد ، وعندهما وإن كان يملك لكن ملكا محجورا عن التصرف فيه ؛ لتعلق حق الغرماء به ، فكان المولى كالأجنبي عنه . وكذلك المولى إن عاقد مكاتبه عقد الربا لم يجز ؛ لأن المكاتب في حق الاكتساب ملحق بالأحرار ؛ لانقطاع تصرف المولى عنه فأشبه الأجانب .

وأما إسلام المتبايعين ، فليس بشرط لجريان الربا ، فيجري الربا بين أهل الذمة ، وبين المسلم والذمي ؛ لأن حرمة الربا ثابتة في جهنم ؛ لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات إن لم يكونوا مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا . قال الله تعالى: { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } (1) .

وروي « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مجوس هجر: إما أن تذروا الربا ، أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله » . وهذا في نهاية الوعيد فيدل على نهاية الحرمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم (2) .

ب - قال: ( ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب )

خلافا لأبي يوسف رحمه الله ، والشافعي رحمه الله: لهما الاعتبار بالمستأمن منهم في دارنا ، ولنا: قوله عليه الصلاة والسلام: « لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب » ، ولأن مالهم مباح في دارهم فبأي طريق أخذه المسلم ، أخذ مالا مباحا إذا لم يكن منه غدر بخلاف المستأمن منهم ؛ لأن ماله صار محظورا بعقد الأمان .

( قال ) أي القدوري في مختصره: ( ولا ربا بين المولى وعبده ؛ لأن العبد وما في يده ملك مولاه فلا يتحقق الربا وهكذا ) أي: عدم كون الربا بين المولى وعبده ( إذا كان ) أي: العبد ( مأذونا له ) في التجارة ولم يكن عليه دين ، أما إذا كان عليه دين لا يجوز بالاتفاق ؛ لأن ما في يده ليس ملك

(1) سورة النساء الآية 161

(2) بدائع الصنائع 3127 .

المولى عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما ( تعلق به ) أي بما في العبد ( حق الغرماء فصار ) أي: العبد ( كأجنبي ) من مولاه ( فيتحقق الربا كما يتحقق ) أي: الربا ( بينه ) أي: بين المولى ( وبين مكاتبه ) ؛ لأن المكاتب صار كالحر يدا ، أو تصرفا في كسبه ، الربا بينه وبين مولاه ؛ كما يجري بينه وبين غيره .

( قال ) أي القدوري رحمة الله: ( ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب ) أي: ولا ربا أيضا بين المسلم الذي دخل دار الحرب بأمان وباع درهما بدرهمين ، وكذا إذا باع خمرا ، أو خنزيرا ، أو ميتة ، أو قامرهم ، وأخذ المال كل ذلك يحل له إذا كان في دار الحرب ، عند أبي حنيفة ، ومحمد ، ( خلافا لأبي يوسف ، والشافعي ، رضي الله عنهما ) ومالك وأحمد .

( لهما ) أي: لأبي يوسف والشافعي: ( الاعتبار بالمستأمن منهم في دارنا ) يعني: المستأمن من أهل الحرب الذي دخل دارنا بأمان تجري الربا بينه وبين المسلم ، فكذلك بجامع تحقق الفضل الحالي عن العرض المستحق بعقد البيع .

( ولنا قوله عليه الصلاة والسلام ) أي قول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب » ، هذا حديث غريب ليس له أصل مسند ، وقال الكاكي: ( ولنا الحديث المذكور في المتن ) . وفي المبسوط عن مكحول ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا ربا بين المسلم . . . » الحديث . وهذا الحديث وإن كان مرسلا فمكحول ثقة ، والمرسل من مثله مقبول ، وقال الأكمل: ( ولأبي حنيفة ، ومحمد رحمه الله ما روى مكحول . . . ) إلى آخره ، ثم قال: ( ذكره محمد بن الحسن وذكره الأترازي كذا ) ، ثم قال: ( كذا في شرح أبي نضر ) قلت: أسند البيهقي في المعرفة في كتاب السير عن الشافعي رضي الله عنه قال: قال أبو يوسف رحمه الله: ( إنما قال أبو حنيفة رضي الله عنه هذا ؛ لأن بعض النسخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا ربا بين أهل الحرب » أظنه قال: « وأهل الإسلام » . قال الشافعي رضي الله عنه:( هذا ليس بثابت ولا حجة فيه ) . انتهى .

قلت: لا نسلم عدم ثبوته ؛ لأن جلالة قدر الإمام لا تقتضي أن يجعل لنفسه مذهبا من غير دليل واضح ، وأما قوله: ( ولا حجة فيه ) فبالنسبة إليه ، لأن مذهبه عدم العمل بالمرسلات ، إلا مرسل سعيد بن المسيب ، والمرسل عندنا حجة على ما عرف في موضعه ، والله أعلم .

( ولأن مالهم ) أي: مال أهل الحرب ( مباح في دارهم ) ؛ لأنه غير معصوم ، أي: في أخذه ( غدر ) ؛ لأن الغدر حرام ( بخلاف المستأمن منهم ) ، هذا جواب عن قياس أبي يوسف والشافعي رضي الله عنهما تقريره ما قاله بقوله: ( لأن ماله ) أي: من المستأمن ( صار محظورا ) أي: ممنوعا أخذه ( بعقد الأمان ) ، ولهذا لا يحل تناوله بعد انقضاء المدة ، وفي الحجى في الكناية: مستأمن هنا باشر مسلما أو ذميا في دارهم أو من أسلم هناك شيئا من العقود التي لا تجوز فيما بيننا ؛ كالربويات ، وبيع الميتة ، جاز عندهما .

خلافا لأبي يوسف والأئمة الثلاثة ، والله أعلم .

جـ - قال في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار والتعليق عليه رد المحتار:

( ولا بين حربي ومسلم مستأمن ) ولو بعقد فاسد أو قمار ( ثمة ) ؛ لأن ماله ثمة مباح ، فيحل برضاه مطلقا بلا عذر خلافا للثاني . والثلاثة ( و ) حكم ( من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر كحربي ) فللمسلم الربا معه خلافا لهما ؛ لأن ماله غير معصوم فلو هاجر إلينا ، ثم عاد إليهم فلا ربا اتفاقا جوهرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت