فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 1226

وَأَيْضًا فَإِنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ عَارِيَّتُهَا وَعَارِيَّتُهَا قَرْضُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ ؛ إذْ لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِاسْتِهْلَاكِ عَيْنِهَا ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا:"إذَا أَعَارَهُ دَرَاهِمَ فَإِنَّ ذَلِكَ قَرْضٌ"وَلِذَلِكَ لَمْ يُجِيزُوا اسْتِئْجَارَ الدَّرَاهِمِ ؛ لِأَنَّهَا قَرْضٌ ، فَكَأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهَا ؛ فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْأَجَلُ فِي الْعَارِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْقَرْضِ .

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ عَارِيَّةٌ حَدِيثُ إبْرَاهِيمَ الْهِجْرِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { تَدْرُونَ أَيُّ الصَّدَقَةِ خَيْرٌ ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ الْمِنْحَةُ أَنْ تَمْنَحَ أَخَاك الدَّرَاهِمَ ، أَوْ ظَهْرَ الدَّابَّةِ ، أَوْ لَبَنَ الشَّاةِ } وَالْمِنْحَةُ هِيَ الْعَارِيَّةُ ؛ فَجَعَلَ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ عَارِيَّتَهَا ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: { وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ } ؟ فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ التَّأْجِيلُ فِي الْعَارِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْقَرْضِ .

وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ التَّأْجِيلَ فِي الْقَرْضِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَمِنْهُ الْإِعَانَةُ .

بَابُ الْبَيْعِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } عُمُومٌ فِي إبَاحَةِ سَائِرِ الْبِيَاعَاتِ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ تَمْلِيكُ الْمَالِ بِمَالٍ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْبَيْعِ فِي مَفْهُومِ اللِّسَانِ ؛ ثُمَّ مِنْهُ جَائِزٌ وَمِنْهُ فَاسِدٌ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ اعْتِبَارِ عُمُومِ اللَّفْظِ مَتَى اخْتَلَفْنَا فِي جَوَازِ بَيْعٍ أَوْ فَسَادِهِ .

وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهَا مَخْرَجَ الْعُمُومِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى حَظْرِ كَثِيرٍ مِنْ الْبِيَاعَاتِ ، نَحْوُ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَبَيْعِ الْغَرَرِ وَالْمَجَاهِيلِ وَعَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الْأَشْيَاءِ ؛ وَقَدْ كَانَ لَفْظُ الْآيَةِ يُوجِبُ جَوَازَ هَذِهِ الْبِيَاعَاتِ ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ مِنْهَا بِدَلَائِلَ ، إلَّا أَنَّ تَخْصِيصَهَا غَيْرُ مَانِعٍ اعْتِبَارَ عُمُومِ لَفْظِ الْآيَةِ فِيمَا لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى تَخْصِيصِهِ .

وَجَائِزٌ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } وَالْبَيْعُ اسْمٌ لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَتُهُ وُقُوعَ الْمِلْكِ بِهِ لِلْعَاقِدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ الْمَعْقُودَ عَلَى شَرْطِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَمْ يُوجِبْ مِلْكًا ؟ وَهُوَ بَيْعٌ وَالْوَكِيلَانِ يَتَعَاقَدَانِ الْبَيْعَ وَلَا يَمْلِكَانِ .

وقَوْله تَعَالَى: { وَحَرَّمَ الرِّبَا } حُكْمُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْإِجْمَالِ وَالْوَقْفِ عَلَى وُرُودِ الْبَيَانِ ، فَمِنْ الرِّبَا مَا هُوَ بَيْعٌ ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِبَيْعٍ وَهُوَ رِبَا أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ الْقَرْضُ الْمَشْرُوطُ فِيهِ الْأَجَلُ وَزِيَادَةُ مَالٍ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ .

وَفِي سِيَاقِ الْآيَةِ مَا أَوْجَبَ تَخْصِيصَ مَا هُوَ رِبًا مِنْ الْبِيَاعَاتِ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .

وَظَنَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ لَفْظَ الرِّبَا لَمَّا كَانَ مُجْمَلًا أَنَّهُ يُوجِبُ إجْمَالَ لَفْظِ الْبَيْعِ ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا لِأَنَّ مَا لَا يُسَمَّى رِبًا مِنْ الْبِيَاعَاتِ فَحُكْمُ الْعُمُومِ جَارٍ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُقُوفُ فِيمَا شَكَكْنَا أَنَّهُ رِبًا أَوْ لَيْسَ بِرِبًا ، فَأَمَّا مَا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِرِبًا فَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِآيَةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .

وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } حِكَايَةً عَنْ الْمُعْتَقِدِينَ لِإِبَاحَتِهِ مِنْ الْكُفَّارِ ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ الْمَأْخُوذَةِ عَلَى وَجْهِ الرِّبَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَرْبَاحِ الْمُكْتَسَبَةِ بِضُرُوبِ الْبِيَاعَاتِ ، وَجَهِلُوا مَا وَضَعَ اللَّهُ أَمْرَ الشَّرِيعَةِ عَلَيْهِ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ؛ فَذَمَّهُمْ اللَّهُ عَلَى جَهْلِهِمْ وَأَخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنْ عِقَابِهِ .

قَوْله تَعَالَى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } يُحْتَجُّ بِهِ فِي جَوَازِ بَيْعِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي ، وَيُحْتَجُّ فِيمَنْ اشْتَرَى حِنْطَةً بِحِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا مُتَسَاوِيَةً أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ وُرُودِ اللَّفْظِ لُزُومُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَحُقُوقِهِ مِنْ الْقَبْضِ وَالتَّصَرُّفِ وَالْمِلْكِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ بَقَاءَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَعَ تَرْكِ التَّقَايُضِ ؛ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } الْمُرَادُ تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ .

وَيُحْتَجُّ أَيْضًا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: مَا اقْتَضَاهُ مِنْ إبَاحَةِ الْأَكْلِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَبَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ ، وَالْآخَرِ إبَاحَةِ أَكْلِهِ لِمُشْتَرِيهِ قَبْلَ قَبْضِ الْآخَرِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت