فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 1226

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (1) ومسألة العينة غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم , وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس بن مالك . ا ه .

وأجازها الشافعي وأصحابه (2) أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد وأبي هريرة: « بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا » (3) , والجمع هو التمر الرديء ، وقيل: هو التمر المجموع من أنواع مختلفة , والجنيب هو التمر الجيد (4) , ووجه الاستدلال أنه لم يخص بقوله: ثم اشتر بالدراهم جنيبا غير الذي باع له الجمع , واستدلوا بالاتفاق على أن من باع السلعة التي اشتراها ممن اشتراها منه بعد مدة فالبيع صحيح , فلا فرق بين التعجيل في ذلك والتأجيل , فيدل على أن المعتبر في ذلك وجود شرط في أصل العقد وعدمه فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد فهو باطل (5) , وطرحوا الأحاديث الواردة في تحريم العينة (6) ، قال الصنعاني: (7) ولعلهم يقولون حديث العينة فيه مقال فلا ينتهض دليلا على التحريم .

والحق ما ذهب إليه الأكثر من تحريم بيع العينة , ويجاب عن استدلال المخالفين بحديث أبي سعيد وأبي هريرة بأنه عام فيخصص بأحاديث تحريم بيع العينة أو بأنه مطلق يجب تقييده بالأدلة الدالة على وجوب سد الذرائع , ويجاب عن الاستدلال الثاني بأنه إن صح ما ادعوه من الاتفاق على جواز بيع السلعة من بائعها الأول بعد مدة - أي بعد قبضه ثمنها - فلا نسلم قياس ما قبل القبض على ما بعده ؛ لأنه قياس في مقابلة نص فلا يصح , ويجاب عن طرحهم الاستدلال بأحاديث تحريم العينة لضعفها عندهم بأنها أحاديث يقوي بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض فيحصل من مجموعها الدلالة الواضحة على تحريم العينة , قال شيخ الإسلام ابن تيمية (8) : فهذه أربعة أحاديث تبين أن

(1) مجموع الفتاوى ص446ج 29 .

(2) نيل الأوطار ص 220 ج 5 , وشرح النووي على صحيح مسلم 11 \ 21 .

(3) صحيح البخاري البيوع (2089) ,صحيح مسلم المساقاة (1593) ,سنن النسائي البيوع (4553) ,مسند أحمد بن حنبل (3/60) ,موطأ مالك البيوع (1314) ,سنن الدارمي البيوع (2577) .

(4) انظر سبل السلام ص9 ج 3 .

(5) فتح الباري ص401 ج 4 .

(6) نيل الأوطار ص220 ج 5 .

(7) سبل السلام ص 14 - 15 ج 3 .

(8) مجموع الفتاوى الكبرى ص 135 - 136 ج 3 .

رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا - يعني بيع العينة . حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة , وقد فسرت في الحديث المرسل بأنها من الربا , وفي حديث أنس وابن عباس بأنها بيع حريرة , مثلا بمائة إلى أجل ثم يبتاعها بدون ذلك نقدا , وقالوا: هو دراهم بدراهم وبينهما حريرة , وحديث أنس وابن عباس أيضا: هذا ما حرم الله ورسوله , والحديث المرسل الذي له ما يوافقه أو الذي عمل به السلف حجة باتفاق الفقهاء , وحديث عائشة: أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب يعني لما تعاطى بيع العينة ، ومعلوم أن هذا قطع بالتحريم وتغليظ له , ولولا أن عند أم المؤمنين علما من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة .

واستحلال مثل هذا كفر ؛ لأنه من الربا واستحلال الربا كفر , لكن عذر زيد أنه لم يعلم أن هذا محرم , ولهذا أمرت بإبلاغه , فمن بلغه التحريم وتبين له ذلك ثم أصر عليه لزمه هذا الحكم , وإن لم تكن قصدت هذا فإنها قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فما كأنه عمل شيئا . ا ه .

3 -التورق - وهو أن يحتاج إلى نقد فلم يجد من يقرضه فيشتري سلعة ليبيعها من غير بائعها الأول , ويأخذ ثمنها ليدفع به حاجته فليس به حاجة إلى نفس السلعة وإنما حاجته إلى ثمنها , فيأخذ مثلا ما قيمته مائة بمائة وعشرين مؤجلا ليبيعها ويرتفق بثمنها ، والفرق بينها وبين العينة أن يبيعها من غير من اشتراها منه ، وسميت هذه المسألة بمسألة التورق ؛ لأن المقصود منها الورق .

وقد اختلف العلماء في حكمها على قولين: قول بالجواز ؛ لأنها لم تعد إلى البائع بحال بل باعها المشتري لآخر , فلا تدخل في مسألة العينة ، وهو قول إياس بن معاوية ورواية عن الإمام أحمد .

والقول الثاني: كراهة مسألة التورق , وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد وقول عمر بن عبد العزيز , واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (1) ، فعلى هذا القول تعتبر من وسائل الربا , قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الله حرم أخذ دراهم بدراهم

(1) مجموع الفتاوى ص 434 ج 29 ، وتهذيب السنن ص 108 ج 5 .

أكثر منها إلى أجل لما في ذلك من ضرر المحتاج وأكل ماله بالباطل , وهذا المعنى موجود في هذه الصورة , وإنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى , وإنما الذي أباحه الله البيع والتجارة وهو أن يكون المشتري غرضه أن يتجر فيها , فأما إذا كان قصده مجرد الدراهم بدراهم أكثر منها فهذا لا خير فيه .

وقال في الاختيارات (1) : وتحرم مسألة التورق وهو رواية عن أحمد , وقال العلامة ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود ص108 ج 5 . وعلل الكراهة بأنه بيع مضطر , وقد روى أبو داود عن علي: « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر » (2) , وفي المسند عن علي قال: سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك , قال تعالى: { وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } (3) (4) , ويبايع المضطرون وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وذكر الحديث , فأحمد - رحمه الله تعالى - أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد ؛ لأن الموسر يضن عليه بالقرض , فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها , فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة , وإن باعها من غيره فهي التورق , ومقصوده في الموضعين الثمن , فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه , ولا معنى للربا إلا هذا , لكنه ربا بسلم لم يحصل له مقصوده إلا بمشقة , ولو لم يقصده كان ربا بسهولة . ا ه .

والذي يظهر لي جواز مسألة التورق إذا حصلت من غير تواطؤ مع طرف ثالث وهو المشتري الأخير ؛ لأنها حينئذ تفترق عن العينة , وكذلك لا بد أن تكون السلعة موجودة في ملك البائع الأول حين العقد , والله أعلم .

4 -النهي عن بيع كل رطب من حب وتمر بيابسه , عن سعد بن أبي وقاص قال: « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن شراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا: نعم فنهى عن ذلك » (5) , قال الشوكاني: (6) قوله: (أينقص ) الاستفهام هاهنا ليس المراد به حقيقته - أعني طلب الفهم - لأنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بأنه ينقص إذا يبس بل المراد تنبيه السامع بأن هذا الوصف الذي وقع عنه الاستفهام هو علة النهي , ومن المشعرات

(1) ص129 .

(2) سنن أبو داود البيوع (3382) ,مسند أحمد بن حنبل (1/116) .

(3) سورة البقرة الآية 237

(4) البقرة من آية 237 .

(5) سنن الترمذي البيوع (1225) ,سنن النسائي البيوع (4545) ,سنن أبو داود البيوع (3359) ,سنن ابن ماجه التجارات (2264) ,مسند أحمد بن حنبل (1/179) ,موطأ مالك البيوع (1316) .

(6) نفس المصدر .

بذلك الفاء في قوله: (فنهى عن ذلك ) , ويستفاد من هذا عدم جواز بيع الرطب بالرطب ؛ لأن نقص كل واحد منهما لا يحصل العلم بأنه مثل نقص الآخر , وما كان كذلك فهو مظنة الربا . ا ه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت