فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 1226

ويمكننا أن نناقش هذا الرأي بأنه ما دام يحرم ربا النسيئة في الأوراق النقدية فيلزمه أن يحرم ربا التفاضل فيها ؛ لأنه وسيلة إلى ربا النسيئة بناء على قاعدة سد الذرائع , والمعروف في الشرع أن الجنس الواحد من الربويات يحرم فيه ربا الفضل وربا النسيئة كالذهب بالذهب والفضة بالفضة فهكذا الورق النقدي ؛ لأنه جنس واحد والعلة فيه واحدة , والمبررات التي ذكرها - خصوصا دعوى الحاجة إلى جريان التفاضل في الأوراق - لا تكفي ؛ لأن مجرد دفع الحاجة لا يكفي مبررا لإباحة الشيء دون نظر إلى الضرر المترتب عليه , إذ من المعلوم أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة , وقوله: أن ربا الفضل أبيح منه ما تدعو الحاجة إليه كمسألة العرايا , وأجاز كثير من أهل العلم بيع الحلي من الذهب أو الفضة بمثله متفاضلا .

يجاب عنه بأن العرايا قد استثناها النبي صلى الله عليه وسلم مما نهى عنه من المزابنة , وهي أن يشتري الرطب في الشجر بخرصه من التمر ؛ لأنه إذا لم يعلم التماثل في ذلك لم يجز البيع , ولهذا يقول الفقهاء: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل ، والتماثل يعلم بالوزن والكيل , وأما الخرص فيعمل به عند الحاجة , فالعرايا رخصة رخص فيها الشارع تقدر بما ورد به النص فقط , وليس فيها تفاضل محقق بل يجتهد في خرصها وتماثلها , فإن حصل بعد ذلك فيها تفاضل فهو غير متعمد , ثم هل بلغت الحاجة إلى التفاضل في الأوراق النقدية مبلغ الحاجة إلى العرايا التي رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأما مسألة إجازة بعض العلماء بيع الحلي المصوغ من الذهب أو الفضة بمثله متفاضلا فهي مسألة اجتهادية تفتقر إلى دليل , ولا يصح أن تتخذ دليلا لما نحن فيه , والله أعلم .

2 -علة الربا في بقية الأصناف المنصوصة وهي البر والشعير والتمر والملح , اختلفوا في ذلك على أقوال:

القول الأول: أن علة ربا الفضل فيها الاقتيات والادخار وهذا قول المالكية (1) ، أي مجموع الأمرين فالطعام الربوي ما يقتات ويدخر , أي ما تقوم به البينة عند الاقتصار عليه ويدخر إلى الأمد المبتغى منه عادة ولا يفسد بالتأخير (2) , وهل يشترط مع ذلك كونه متخذا لغلبة العيش بأن يكون غالب استعماله اقتيات الآدمي بالفعل كقمح وذرة أو لا يشترط كاللوبيا ؟ قولان عندهم والأكثر منهم على عدم اشتراط ذلك (3) , ووجه التعليل بالاقتيات والادخار أنه أخص أوصاف الأربعة المذكورة (4) .

وعلة ربا النسأ عندهم مجرد الطعم لا على وجه التداوي , أي كونه مطعوما لآدمي فتدخل الفاكهة والخضر كبطيخ أو بقول كخس ونحو ذلك فيمنع بيع بعضها ببعض إلى أجل ولو تساويا , ويجوز التفاضل فيها في الجنس الواحد وغيره ، فعلة ربا النسأ مجرد الطعمية ، وجد الاقتيات والادخار أو لم يوجدا أو وجد أحدهما فقط (5) فهم يفرقون بين علة ربا الفضل وعلة ربا النسأ , قال العلامة القرطبي في تفسيره: (6) واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك , وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتا مدخرا للعيش غالبا جنسا كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص عليها وما في معناها كالأرز والذرة والدخن والسمسم ، والقطاني كالفول والعدس واللوبيا والحمص وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت والثمار كالعنب والزبيب والزيتون , واختلف في التين , ويلحق بها العسل والسكر فهذا كله يدخله الربا من جهة النسأ وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام: « فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد » (7) , ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان والكمثرى والقثاء والخيار والباذنجان وغير ذلك من الخضروات . ا ه .

(1) الشرح الكبير ص37 - 38 ج 3 للدردير .

(2) الشرح الصغير ص37 ج 3 .

(3) الشرح الكبير ص42 ج 3 للمالكية .

(4) أضواء البيان ص247 ج 1 .

(5) الشرح الكبير ص42 ج 3 للمالكية . أضواء البيان ص247 ج 1 .

(6) ص353 ج 3 .

(7) صحيح مسلم المساقاة (1587) ,مسند أحمد بن حنبل (5/320) .

وهو كلام إذا عرضناه على المصادر التي نقلنا منها الكلام الذي قبله وجدناه يختلف بعض الاختلاف فلعله اختيار له .

وقد رجح العلامة ابن القيم قول مالك حيث قال: (1) [ وطائفة خصته ] أي جريان الربا في القوت وما يصلحه وهو قول مالك وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه , ثم قال بعد ذلك: (2) وأما الأصناف الأربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها ؛ لأنها أقوات العالم وما يصلحها , فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل سواء اتحد الجنس أو اختلف , ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالا متفاضلا وإن اختلفت صفاتها .

وجوز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها , وسر ذلك - والله أعلم - أنه لو جوز بيع بعضها ببعض نسأ لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح وحينئذ تسمح نفسه ببيعها حالة لطمعه في الربح فيعز الطعام على المحتاج ويشتد ضرره , وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير لا سيما أهل العمود والبوادي , وإنما يتناقلون الطعام بالطعام , فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النسأ فيهم كما منعهم من ربا النسأ في الأثمان ؛ إذ لو جوز لهم النسأ فيها لدخلها: (إما أن تقضي وإما أن تربي ) فيصير الصاع الواحد قفزانا كثيرة , ففطموا عن النسأ ثم فطموا عن بيعها متفاضلا يدا بيد ؛ إذ تجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى تجارة فيها نسأ وهو عين المفسدة .

القول الثاني: أن العلة في هذه الأربعة هي الطعمية - أي كونها مطعومة -وهذا قول الشافعي في الجديد , ورواية عن الإمام أحمد وهو الأظهر في مذهب الشافعية (3) , واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: « الطعام بالطعام مثلا بمثل » (4) , قال معمر راوي الحديث: وكان طعامنا يومئذ الشعير (5) فدل على أن العلة الطعم وإن لم يكل ولم يوزن ؛ لأنه علق ذلك على الطعام وهو اسم مشتق , وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل على التعليل بما منه الاشتقاق .

(1) إعلام الموقعين ص137 ج 2 .

(2) ص138 من الإعلام .

(3) مغني المحتاج ص22ج 2 ، وإعلام الموقعين ص137 ج 2 .

(4) صحيح مسلم المساقاة (1592) ,مسند أحمد بن حنبل (6/401) .

(5) رواه أحمد ومسلم ، المنتقى مع شرحه ص205 ج 5 .

والطعام: ما قصد للطعم بضم الطاء مصدر طعم بكسر العين , أي أكل غالبا , وذلك بأن يكون أظهر مقاصده الطعم وإن لم يؤكل إلا نادرا كالبلوط والطرثوث , وإن لم يكل ولم يوزن , وسواء أكل بقصد الاقتيات أو التفكه أو التداوي , فالبر والشعير المقصود منهما التقوت فألحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة , والتمر المقصود منه التفكه والتأدم , فألحق به ما في معناه كالتين والزبيب , والملح المقصود منه الإصلاح , فألحق به ما في معناه كالمصطكي والسقمونيا والطين الأرمني والزنجبيل , ولا فرق بين ما يصلح الغذاء أو يصلح البدن , فإن الأغذية لحفظ الصحة , والأدوية لرد الصحة ، هذا حاصل هذا القول (1) لكن نوقش (2) الاستدلال له بالحديث السابق بأن راويه قال: وقد كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « الطعام بالطعام مثلا بمثل » (3) , قال عقبة: (وكان طعامنا يومئذ الشعير ) ، وهذا صريح في أن الطعام في عرفهم يومئذ الشعير , وقد تقرر في الأصول أن العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام , فلا يعم لفظ الطعام الوارد في الحديث كل مطعوم ؛ لأنه خصص بالعرف , ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن التخصيص بالعرف موضع خلاف بين الأصوليين ليس محل وفاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت