وهل أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى ? وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى ?
وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا ? من يعريها من الغطاء الواقي والدرع الحامي , ويدعها غرضًا للشيطان يلزمها ويركبها , ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض , الحائر القلق , اللاهث لهاث الكلب أبدًا !!!
وهل يبلغ قول قائل في وصف هذه الحالة وتصويرها على هذا النحو العجيب الفريد ; إلا هذا القرآن العجيب الفريد !!
وبعد . . فهل هو نبأ يتلى ? أم أنه مثل يضرب في صورة النبأ لأنه يقع كثيرًا . فهو من هذا الجانب خبر يروى ?
.فهو يمثل حال الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبين لهم فيعرفوها ثم لا يستقيموا عليها . . وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر ; ما أكثر الذين يعطون علم دين الله , ثم لا يهتدون به , إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه . واتباع الهوى به . .
هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم - في وهمهم - عرض الحياة الدنيا .
وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها . ويعلن غيرها . ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة , والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل ! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعًا !
لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول:إن التشريع حق من حقوق الله - سبحانه - من ادعاه فقد ادعى الألوهية . ومن ادعى الألوهية فقد كفر . ومن أقر له بهذا الحق وتابعه عليه فقد كفر أيضًا ! . .
ومع ذلك . .
مع علمه بهذه الحقيقة , التي يعلمها من الدين بالضرورة , فإنه يدعو للطواغيت الذين يدّعون حق التشريع , ويدّعون الألوهية بادعاء هذا الحق . . ممن حكم عليهم هو بالكفر !
ويسميهم"المسلمين"! ويسمي ما يزاولونه إسلاما لا إسلام بعده ! . .
ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عامًا ; ثم يكتب في حله كذلك عامًا آخر . .
ورأينا منهم من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس , ويخلع على هذا الوحل رداء الدين وشاراته وعناوينه . .
فماذا يكون هذا إلا أن يكون مصداقًا لنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ? وماذا يكون هذا إلا أن يكون المسخ الذي يحكيه الله سبحانه عن صاحب النبأ: (ولو شئنا لرفعناه بها , ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه . فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث !) . .
ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته . ولكنه - سبحانه - لم يشأ , لأن ذلك الذي علم الآيات أخلد إلى الأرض واتبع هواه , ولم يتبع الآيات . .
إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله ; فلم ينتفع بهذا العلم ; ولم يستقم على طريق الإيمان . وانسلخ من نعمة الله . ليصبح تابعًا ذليلًا للشيطان . ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان !
ثم ما هذا اللهاث الذي لا ينقطع ?
إنه - في حسنا كما توحيه إيقاعات النبأ وتصوير مشاهده في القرآن - ذلك اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته فينسلخون منها . ذلك اللهاث القلق الذي لا يطمئن أبدًا . والذي لا يتركه صاحبه سواء وعظته أم لم تعظه ; فهو منطلق فيه أبدًا !
والحياة البشرية ما تني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وفي كل زمان وفي كل بيئة . .
حتى إنه لتمر فترات كثيرة , وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مثله . فيما عدا الندرة النادرة ممن عصم الله , ممن لا ينسلخون من آيات الله , ولا يخلدون إلى الأرض ; ولا يتبعون الهوى ; ولا يستذلهم الشيطان ; ولا يلهثون وراء الحطام الذي يملكه أصحاب السلطان ! . .
فهو مثل لا ينقطع وروده ووجوده ; وما هو بمحصور في قصة وقعت , في جيل من الزمان !
وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتلوه على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آيات الله , كي لا ينسلخوا منها وقد أوتوها . ثم ليبقى من بعده ومن بعدهم يتلى , ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئًا أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة ; وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي لا ينقطع أبدًا ; وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم الذي لا يظلمه عدو لعدو . فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية النكدة !
ولقد رأينا من هؤلاء - والعياذ بالله - في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه ; أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم يخشى أن ينازعه إياه أحد من المتسابقين معه في الحلبة !
فهو ما يني يقدم كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم ! وما يني يلهث وراء هذا المطمع لهاثًا لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا !
اللهم اعصمنا , وثبت أقدامنا , وأفرغ علينا صبرًا , وتوفنا مسلمين . .
ثم نقف أمام هذا النبأ والتعبير القرآني عنه وقفة أخرى . .
إنه مثل للعلم الذي لا يعصم صاحبه أن تثقل به شهواته ورغباته فيخلد إلى الأرض لا ينطلق من ثقلتها وجاذبيتها ; وأن يتبع هواه فيتبعه الشيطان ويلزمه ويقوده من خطام هذا الهوى . .
ومن أجل أن العلم لا يعصم يجعل المنهج القرآني طريقه لتكوين النفوس المسلمة والحياة الإسلامية , ليس العلم وحده لمجرد المعرفة ; ولكن يجعل العلم عقيدة حارة دافعة متحركة لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وفي عالم الحياة أيضًا . .
إن المنهج القرآني لا يقدم العقيدة في صورة"نظرية"للدراسة . .
فهذا مجرد علم لا ينشىء في عالم الضمير ولا في عالم الحياة شيئًا . .
إنه علم بارد لا يعصم من الهوى , ولا يرفع من ثقلة الشهوات شيئًا . ولا يدفع الشيطان بل ربما ذلل له الطريق وعبدها !
كذلك هو لا يقدم هذا الدين دراسات في"النظام الإسلامي"ولا في"الفقه الإسلامي"ولا في"الاقتصاد الإسلامي"ولا في"العلوم الكونية"ولا في"العلوم النفسية"ولا في أية صورة من صور الدراسة المعرفية !
إنما يقدم هذا الدين عقيدة دافعة دافقة محيية موقظة رافعة مستعلية ; تدفع إلى الحركة لتحقيق مدلولها العملي فور استقرارها في القلب والعقل ; وتحيي موات القلب فينبض ويتحرك ويتطلع ; وتوقظ أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة فترجع إلى عهد الله الأول ; وترفع الاهتمامات والغايات فلا تثقلها جاذبية الطين ولا تخلد إلى الأرض أبدًا
ويقدمه منهجًا للنظر والتدبر ; يتميز ويتفرد دون مناهج البشر في النظر , لأنه إنما جاء لينقذ البشر من قصور مناهجهم وأخطائها وانحرافها تحت لعب الأهواء , وثقلة الأبدان , وإغواء الشيطان !
ويقدمه ميزانا للحق تنضبط به عقول الناس ومداركهم , وتقاس به وتوزن اتجاهاتهم وحركاتهم وتصوراتهم ; فما قبله منها هذا الميزان كان صحيحًا لتمضي فيه ; وما رفضه هذا الميزان كان خاطئا يجب الإقلاع عنه .
ويقدمه منهجا للحركة يقود البشرية خطوة خطوة في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة . وفق خطاه هو ووفق تقديراته . .
وفي أثناء الحركة الواقعية يصوغ للناس نظام حياتهم , وأصول شريعتهم , وقواعد اقتصادهم واجتماعهم وسياستهم . ثم يصوغ الناس بعقولهم المنضبطة به تشريعاتهم القانونية الفقهية , وعلومهم الكونية والنفسية , وسائر ما تتطلبه حياتهم العملية الواقعية . . يصوغونها وفي نفوسهم حرارة العقيدة ودفعتها , وجدية الشريعة وواقعيتها ; واحتياجات الحياة الواقعية وتوجيهاتها .
هذا هو المنهج القرآني في صياغة النفوس المسلمة والحياة الإسلامية . .