فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 1226

و كان مَثله كَمَثَلِ الشَّيْطَان إِذْ يُسَوّلُ للإنسان الْكُفْر فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سَوَّلَهُ لَهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ وَ تَنَصَّلَ وَ قَالَ: ( إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ ) . وَ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الرواة من قصص بني إسرائيل ما يصلح مثالًا لما نحن بصدده فروى اِبْن جَرِير في تفسيره عن عَبْد اللَّه بْن نَهِيك قَالَ: سَمِعْت عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول: إِنَّ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَة وَ إِنَّ الشَّيْطَان أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ فَعَمَدَ إِلَى اِمْرَأَة فَأَجَنَّهَا وَ لَهَا أخوة فَقَالَ لإخوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسّ فَيُدَاوِيهَا قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا ، وَ كَانَتْ عِنْده فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَجَاءَ إخوتها ، فَقَالَ الشَّيْطَان لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبك ، و إِنَّك أَعْيَيْتنِي ، أَنَا صَنَعْت هَذَا بِك فَأَطِعْنِي أُنْجِك مِمَّا صَنَعْتُ بِك فَاسْجُدْ لِي سَجْدَة فَسَجَدَ ، فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ ، قَالَ: ( إِنِّي بَرِيء مِنْك إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ ) فَذَلِكَ قَوْله تعالى: ( كَمَثَلِ الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للإنسان اُكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْك إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ ) . وَ روى اِبْن جَرِيرٍ أنّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رضي الله عنه قال فِي هَذِهِ الآية: كَانَتْ اِمْرَأَة تَرْعَى الْغَنَم وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَة إخوة وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَة رَاهِب قَالَ فَنَزَلَ الرَّاهِب فَفَجَرَ بِهَا فَحَمَلَتْ فَأَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ لَهُ اُقْتُلْهَا ثُمَّ اِدْفِنْهَا فَإِنَّك رَجُل مُصَدَّق يُسْمَع قَوْلك فَقَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا قَالَ فَأَتَى الشَّيْطَان إخوتها فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ الرَّاهِب صَاحِب الصَّوْمَعَة فَجَرَ بِأُخْتِكُمْ فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُل مِنْهُمْ وَاَللَّه لَقَدْ رَأَيْت الْبَارِحَة رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُك ؟ قَالُوا لا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا قَالَ فَقَصَّهَا فَقَالَ الآخر وَأَنَا وَاَللَّه لَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ فَقَالَ الآخر وَأَنَا وَاَللَّه لَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ قَالُوا فَوَ اَللَّهِ مَا هَذَا إِلا لِشَيْءٍ قَالَ فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكهمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِب فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ اِنْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَان فَقَالَ إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُك فِي هَذَا وَلَنْ يُنْجِيك مِنْهُ غَيْرِي فَاسْجُدْ لِي سَجْدَة وَاحِدَة وَأُنْجِيك مِمَّا أَوْقَعْتُك فِيهِ قَالَ فَسَجَدَ لَهُ فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلِكهمْ تَبَرَّأَ مِنْهُ وَأُخِذَ فَقُتِلَ .

إنّها حبائل إبليس ، و تلبيسات الخسيس ، فالحذارِ الحذار ، و إلا فالنّار و العار و الشنار و الدمار .

و من تلبيس إبليس على العباد تزيين الباطل لهم ، و تقريب الذرائع ليوقعهم ، حتى يتوسّعوا في الرخص ، فيصيروا إلى الحِيَل ، و يقعدوا عن النوافل ، فيصيروا إلى ترك ما وجب من العمَل .

و إذا اجتمعت على المرء غربة الدين و غربة الدار ، صار إلى حالٍ ليس لها من دون الله كاشفة ، ما لم يُقيَّض له من يُمسك بيده ، أو يأخذ عن النار بحُجَزه ، فيقف بالنصيحة إلى جانبه ، يأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر ، يعينه إن ادّكر ، و يواسيه إن صَبَر .

و من هذا الباب تأتي موعظتنا الساعةَ ، حبًّا في الخير للغير ، فقد روى الستة و أحمد عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، أنّ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )، و دعوةً إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، رجاء أن نكون من المصلحين ، كي لا يعمّنا الله بعذاب من عنده ، قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُون َ [هود:117] .

و روى أحمد و أبو داود و الترمذي ، و اللفظ له عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أنّه قَالَ: « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .

فمن أمر بالمعروف و نهى عن المنكر فقد أدى ما أمره الله به في هذا الباب ، و وجب عليه برّ من استجاب لدعوته و الإحسانُ إليه و من أصرّ على ما وقع فيه من المنكرات ، و أعرض عمّا أقيم عليه من الحجج البيّنات ، و جب زجرُه بهجرِه ، لما رواه أبو داود بإسناد صحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِّ اللَّهِ وَ دَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ » .

و ممّا شاع بين المسلمين في زماننا و مُقامنا هذا طلبُ المال من غير حلّه ، و من ذلك الحصول عليه بوسائل غير مشروعة ، قائمةٍ على التحايل و التطاول تارةً ، و على التذلّل و الانكسار للكفّار ، و امتهان النفس أمامهم تارة أخرى ، فضلًا عن مباشرة العمل المحرّم ، و منه الأعمال التابعة للكنائس ، و إن بدا أنّها أعمال برٍّ و إنسانيّة ، و كذا العمل في المطاعم و المقاهي و النوادي ، التي تقدّم المحرّمات و تسوّقها ، فهل ضاقت الأرزاق على المسلم حتى يمتهن نفسه ، و يعمل نادلًا يقدم الخمرة للسكارى ، أو يُعلّب أو يطهو أو يقدّم للنزلاء لحوم الميْتَةِ و الكلاب و الخنازير ، طلبًا لدُريهمات لا بركة فيها ، و لا يحلّ اكتسابها أصلًا ، فإنّ الله إذا حرّم شيئًا حرّمه ثمنه و الإعانة عليه ، و من ذلك تحريم ثمن الكلب ، و مهر البغيّ ، و حلوان الكاهن ، الثابت في سنن أبي داود و النسائي و مسند أحمد بإسنادٍ صحيح .

و مثل ذلك لعنُ عشرةٍ بسبب الخمرة ، فقد روى الترمذي و ابن ماجة و أحمد عن عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: « لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِىَ لَهَا وَالْمُشْتَرَاةَ لَهُ » .

و ممّا ابتليت به الأقليّة الإسلاميّة في ديار الغرب ، الوقوع في الربا بصورة أو أخرى ، و أبواب الربا كأبواب الشرك ، بضعٌ و سبعون بابًا ، كما صح بذلك الخبر ، الذي رواه الحافظ المنذري في ( الترغيب و الترهيب ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت