فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 1226

فأجاب: المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة (47) مباحة في نفسها، وإنما حرمت بالقصد مثل من يبيع عنبًا لمن يتخذه خمرًا أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها، فهذا يفعله بالعوض لكن لا يطيب له أكله، وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر، فهنا لا يُقضى له به قبل القبض، ولو أعطاه إياه لم يحكم برده فإن هذا معونة لهم على المعاصي إذا جُمِع لهم بين العوض والمعوض، ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ونحوهما، لكن يصرف في مصالح المسلمين (48) ، فإن تابت هذه البغيِّ وهذا الخمَّار، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أُعْطِي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به ولم يردوا عوض القرض كان أحسن، وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل عليه أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك، وأما إن تصدق به كما يتصدق المالك بملكه فهذا لا يقبله الله؛ إن الله لا يقبل إلا الطيب، فهذا خبيث، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مهر البغي خبيث ) ) (49 ) ) (50) ، وقال: ( نعم البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم، ثم تابوا، هل يتصدقون بها أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها؟ فيها قولان: أصحهما أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ، بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر) (51) .

وقال ابن القيم: ( فإن قيل: فما تقولون فيمن سُلِّم إليهم المنفعة المحرمة التي استأجروه عليها كالغناء والنوح والزنى واللواط؟ قيل إن كان لم يقبض منهم العوض لم يقض له به باتفاق الأمة، وإن كان قد قبض لم يطب له أكله، ولم يملكه بذلك،والجمهور يقولون يرده عليهم؛لأنه قبضه قبضًا فاسدًا، وهذا فيه روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد؛ إحداهما: أنه يرده عليهم، والثانية: لا يأكله ولا يرده بل يتصدق به، قال شيخنا: وأصح الروايتين أنه لا يرده عليهم ولا يباح للأخذ، ويصرف في مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر) (52) ، وقال في موضع آخر: ( فصل المسألة الثانية إذا عاوض غيره معاوضة محرمة، وقبض العوض كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم، ثم تاب والعوض بيده، فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله، ولم يقبضه بإذن الشارع، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح، وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أصوب القولين) (53) .

وقال (إن الذي عاوض على خمر أو خنزير أو على زنا أو فاحشة أو غير ذلك أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم، فلا يرد العوض إليه ؛ لأنه لا يسوغ عقلًا أن يجمع له بين العوض والمعوض عنه، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان، وتيسيرًا لأصحاب المعاصي، وماذا يريد الزاني وصاحب الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به، ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر، ومن أقبح القبح أن يستوفي عوضه من المزني بها ثم يرجع فيما أعطاها قهرًا، فقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء فلا تأت به الشريعة) (54) .والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(1) المؤمنون آية 15

(2) البقرة آية 271

(3) قال المنذري (السحت بضم السين وإسكان الحاء وبضمهما أيضا هو الحرام وقيل هو الخبيث من المكاسب)

الترغيب والترهيب (2/349) .

(4) (انظر الكلام حول هذا الحديث: تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي(398) وتلخيص الحبير (4/149)

(5) قَبْض الأسهم: وضعها في المحفظة؛ لأن القبض مرجعه إلى العرف-كما مقرر- و لا يعتبر قابضًا للأسهم عرفًا إلا بوضعها في المحفظة،والله أعلم.

(6) المدونة الكبرى (4/145) ، والتمهيد لابن عبد البر (5/29) ، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد (2/230) ، والاستذكار (21/139) .

(7) الأم (2/53) و (3/247) و (6/184) ، والمهذب للشيرازي (1/275) ، والحاوي الكبير (5/316) ، والمجموع (9/377) ، وروضة الطالبين (3/72) ، والأنوار لأعمال الأبرار (1/333) .

(8) المغني (6/327) ، والإنصاف (4/473) ، وشرح منتهى الإرادات (3/237) ، وكشاف القناع (3/245) ، والفروع (6/287) ومعه تصحيح الفروع وحاشية ابن قندوس، والمستوعب للسامري (2/61) ، وفتح الملك العزيز بشرح الوجيز للبغدادي الحنبلي (3/561) ، والمحرر في الفقه (1/323) . وتقرير القواعد لابن رجب (2/189) .

(9) ومنهم زفر والسرخسي، انظر: الجامع الصغير (1/332) ، وأصول السرخسي ص (83 ) .

(10) الفوات عند المالكية يعني أحد خمسة أشياء: الأول: تغير الذات وتلفها كالموت والعتق وهدم الدار وغرس الأرض وأكل الطعام ونماء المبيع ونقصانه . والثاني: حوالة الأسواق. والثالث: البيع. والرابع: حدوث عيب. والخامس: تعلق حق الغير كرهن السلعة . انظر القوانين الفقهية لابن جزيء ص (265) والشرح الصغير للدردير

(11) المدونة الكبرى (4/148) ، ومواهب الجليل (4/381) .

(12) سورة البقرة، آية (279) .

(13) الاستذكار (21/139) .

(14) التمهيد (5/129) ، والاستذكار ( 19/146) وهذا النقل لاتفاق الفقهاء في هذه المسألة فيه نظر، فإن جمهور الحنفية يرون أن المقبوض بعقد ربوي يملك وإن كان واجب الفسخ، وخالفهم شمس الدين السرخسي في هذه المسألة، فوافق الجمهور كما في المتن.

(15) أصول السرخسي ص (83 ) . وانظر: البحر الرائق (6/136) ، وحاشية ابن عابدين (5/169) .

(16) انظر: في بيان مذهب الحنفية الكتب التالية: الجامع الصغير (1/331-332) ، بدائع الصنائع (5/299) ، وما بعدها و (5/263) ، والمبسوط (29/142) ، وشرح فتح القدير ومعه شرح العناية (6/400) ومابعدها، والبناية في شرح الهداية (6/377) ، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (6/99) وما بعدها و ( 6/136) ، والاختيار لتعليل المختار (2/22) ، وحاشية ابن عابدين (7/233) وما بعدها و (5/169) ، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (2/65) ، والأشباه والنظائر ص (209) ، ورؤوس المسائل الخلافية ص ( 288) ، وكشف الأسرار للبخاري (1/269)

(17) سوف أفرد هذه المسألة في بحث مستقل في المستقبل-إن شاء الله- وهي (حكم التخلص من الأوراق المالية بالبيع)

(18) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الوكالة- باب إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود) 2188 (2/613) ، ومسلم في صحيحه (كتاب المساقاة -باب بيع الطعام مثلًا بمثل) 1594 (3/1215) .

(19) رواه مسلم في صحيحه (كتاب المساقاة -باب بيع الطعام مثلًا بمثل) (3/1215) .

(20) شرح النووي على صحيح مسلم (11/22) .

(21) فتح الباري (4/401) .

(22) الاستذكار (21/139) و ( 19/146) ، والتمهيد (5/129) ، وانظر المدونة الكبرى (4/148) ومواهب الجليل (4/381) وشرح ميارة (2/8) . هذا حكمه عند المالكية إذا كان ربويًا أما إذاكان العقد الفاسد غير ريوي فالأمر عندهم معلق على الفوات إن فات ثبت فيه الملك وإلا فلا.

(23) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3/366) .

(24) مواهب الجليل (4/373-374) بتصرف يسير، وانظر شرح ميارة (2/8) .

(25) بدائع الصنائع (5/302) ، والفتاوى الهندية (3/148) ، ومجمع الضمانات ص ( 216(، وحاشية ابن عابدين(7/302-303) .

(26) بدائع الصنائع (5/302) .

(27) موسوعة القواعد الفقهية للبورنو (3/187) .

(28) المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت