عقوبة الربا لا تخفى على مسلم ذو عقل وبصيرة ، فعقوبته من أشد العقوبات ، إن لم يكن الربا أشدها بعد الشرك بالله ، فآكل الربا ملعون وخائن ، والربا من الموبقات التي تقذف بصاحبها إلى النار والعياذ بالله ، عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"اجتنِبوا السَّبعَ الموبقات ، قالوا: يا رسولَ اللهِ ، وما هُنَّ ؟ قال:"الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقتْلُ النَّفسِ التي حَرَّمَ اللهُ إلاّ بالحقّ؛ وأكلُ الرِّبا ، وأكلُ مالِ اليَتيم، والتَّولِّي يوم الزَّحفِ، وقذفُ المُحصناتِ المؤمناتِ الغافِلاتِ" [ متفق عليه ] ."
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ [ أخرجه البخاري ومسلم ] .
عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الرِبا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قلّ" [ أخرجه أحمد ] .
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ، قال: وقال: ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل" [ أخرجه أحمد ] .
فمن تأمل تلك النصوص الشرعية أدرك حقيقةً خطورة الربا ولو كان قليلًا على الأفراد والمجتمعات بل على الأمم ، لما فيه من تع لحدود الله تعالى ، ولاحتوائه على ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل ، ولما يحتويه من مماطلة ، ومحاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
وربما كان هذا الضعف الذي تعانيه الأمة اليوم دليلا قاطعًا ودامغًا لآكلي الربا ، والمتعاملين به ، وكذا نرى اليوم إمساك السماء عن قطرها ، ومنع الأرض لبركتها .
مما يجعل المؤمن يراجع نفسه مائة مرة قبل أن يُقدم على أمر مباح فكيف بأمر المشتبه أو المحرم لهو أبعد عن ذلك .
واليوم أكل الناس كلهم الربا ، ومن لم يأكله أصابه من غباره ، وهذا أمر واضح لا يختلف فيه اثنين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فأي نصر نريد ، وأي عزة نروم ، وأي تقدم ننشد ، والناس ينساقون وراء القاصي والداني سعيًا وراء الربا والعياذ بالله .
ولم يكن لهم أن يفعلوا ذلك ، لولا وجود الفتاوى التي أوقعت الناس في الحيرة والضيق ، والتي دعتهم إلى محاربة الله عز وجل عيانًا بيانًا .
فكل من العلماء وأهل الفتوى على ثغر ، فسدوا الثغور، ولا تفتحوا للناس أبوابًا وسُترًا وحُجبًا إلى نار جهنم ، بل اتقوا الله عز وجل ، واخشوه وراقبوه ، أغلقوا على الناس أبواب الحرام والمتشابه حتى لا يقعوا فيما حرم الله ، فالربا دمار للأمم ، خراب للديار ، هلاك للناس ، ذلة للعباد ، دناءة في الأخلاق ، استجلاب لمقت الله وعقابه ، سبب لتداعي الأعداء واعتدائهم ، والواقع خير شاهد ، وأعظم برهان ، نسأل الله العفو والعافية ، والتوبة الصادقة .
والقاعدة الفقهية تقول:
إذا اجتمع حاظر ومبيح ، قُدَّم الحاظر على المبيح احتياطًا وبراءة للذمة .
وهذه قاعدة مهمة جدًا يجب أن يأخذ بها أهل الفتوى عن الأسهم ، فقد أوقعوا الناس في حيرة من أمر دينهم ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والله جل وعلا سائل المفتي يوم القيامة عن دليل تحليله لقليل الربا ، مع أن النصوص الشرعية جاءت بتحريم الربا دون تحديد أو بيان للكثرة أو القلة .
والناس اليوم لم يعودوا يتورعون عن أكل الربا والمساهمة في البنوك والمؤسسات والشركات صاحبة الأسهم ، ولا يخرجون قيمة الربا الموجود في أسهمهم ، وربما خفي ذلك عن بعض أهل الفتوى بجواز المساهمة في الشركات المختلطة ، ومعنى مختلطة: أي أن فيها نسبة من الربا ، والربا كما علمنا حرام كله ، لا فرق فيه بين قليل ولا كثير ، بل كلما زاد الربا زادت العقوبة والعذاب .
أقول: لم يعد هناك ورع أو زهد من قبل الناس في الأسهم الربوية ، بل يأتي أحدهم الشيطان ويسول له ويملي له حتى لا يبالي من أين أكل المال أمن حلال أم حرام ؟ وحتمًا سينال المفتى قسطًا من العذاب ، لأنه هو الذي أفتى بجواز المساهمة في الشركات المختلطة مع إخراج نسبة الربا ، فأكل الناس الربا ورضوا به .
وهذا هو الواقع اليوم ، فأي إنسان يساهم لا تعنيه نسبة الحرام الموجودة ، بل القصد والغاية عدد الأسهم ومقدار الربح ، فهلا فطن لذلك أهل الفتوى ، وراجعوا أنفسهم قبل أن يوقعوا عن ربهم .
مما سبق بيانه ظهر جليًا أنه لا يجوز المساهمة في أي شركة أو بنك في صورة محرمة مهما صغرت أو دقت هذه المعاملة وممن ذهب إلى هذا القول: مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ونص قراره هو:
"ج: الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة" ( [1] ) .وكذلك لمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، ونص قراره هو:
"لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، وكان المشتري عالمًا بذلك" ( [2] ) .
وممن قال بالتحريم أيضًا: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ( [3] ) ، والهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي ( [4] ) ، والهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي ( [5] ) ، وهيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي السوداني ( [6] ) ،وعدد من الفقهاء المعاصرين ( [7] ) .
وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة تدل بعمومها على تحريم الربا قليله وكثيره ، ولأن يد الشركة على المال هي نفس يد المساهم، فأي عمل تقوم به فهو عمله لا فرق بينهما، فكما يحرم على الإنسان أن يستثمر جزءًا من ماله - ولو يسيرًا - في معاملات محرمة، فكذا يحرم عليه المشاركة في شركات تتعامل بالحرام، لأن المال المستثمر هو ماله بعينه.
وقال آخرون: بالجواز بضوابط .
وممن ذهب إلى هذا القول: الهيئة الشرعية لشركة الراجحي ( [8] ) ، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني ( [9] ) ، والمستشار الشرعي لدلة البركة ( [10] ) ، وندوة البركة السادسة ( [11] ) ، وعدد من العلماء المعاصرين ( [12] ) .
وقد اشترط أصحاب هذا القول شروطًا؛ إذا توفرت جاز تداول أسهم بعض الشركات ، وإذا تخلف منها شرط لم يجز، وهذه الشروط سيأتي بيانها.
وقد استدل أصحاب هذا القول بعدد من القواعد: كقاعدة رفع الحرج، والتبعية ، والحاجة العامة، وعموم البلوى، ومراعاة قواعد الكثرة والقلة والغلبة، وكذلك جواز التعامل مع من كان غالب أمواله حلالا.
ضوابط القائلين بالجواز:
1-الضابط الأول: تحديد نسبة الاقتراض الربوي.
اختلف القائلون بالجواز في تحديد هذه النسبة على أقوال:
القول الأول: أن لا تزيد نسبة القروض عن 25% من إجمالي الموجودات، وبه أخذت هيئة الراجحي في قرارها رقم 485.
القول الثاني: أن لا تساوي أو تزيد عن 33% من إجمالي الموجودات، وبه أخذ"الداو جونز الإسلامي".
القول الثالث: أن لا تزيد القروض عن 30% من القيمة السوقية لمجموع أسهم الشركة، وبه أخذت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين.
القول الرابع: أن لا تزيد القروض عن 30% من إجمالي القيمة السوقية ما لم تقل عن القيمة الدفترية، وبهذا صدر توجيه الهيئة الشرعية بشركة الراجحي المبلغ بخطاب رئيسها الموجه لرئيس مجلس إدارة الشركة ( [13] ) .
القول الخامس: أن لا تزيد القروض عن 30 % من إجمالي موجودات الشركة، وهذا الضابط آخر ما استقرت عليه أكثر الهيئات الشرعية في البنوك السعودية .