فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 1226

وقال صلىّ الله عليه وسلم:"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء" ( رواه مسلم ) .

فهذه الأدلة وغيرها تبين تحريم الربا وخطره على الفرد والأمة .

وإن مما تأسف له النفوس أن ثلة من الناس لا يهتم بأحكام الإسلام وإنما يهتم بما يدر عليه المال من أي طريق كان ، وما ذاك إلاّ لضعف الإيمان وقلة الخوف من الله تعالى ، وغلبة حب الدنيا على القلوب ، نسأل الله السلامة . هذا هو الواقع المؤلم الذي آلت إليه مجتمعات الإسلام ولا حول ولا قوة إلاّ بالله . فهذه الهزائم والخسائر ، وهذه البراكين والزلازل ، وهذا الهرج والمرج ، وكثرة الحوادث والمرض ، كل ذلك بما كسبت أيدي الناس من تعاطٍ للربا وغيره . قال عليه الصلاة والسلام:"إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله" ( رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ) . وقال تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي علموا لعلّهم يرجعون"وقال تعالى:"وما نرسل بالآيات إلا تخويفا"

وقال تعالى:"وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبنها حسابًا شديدًا وعذبناها عذابًا نكرًا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا * أعد الله لهم عذابًا شديدًا فاتقوا يا أولى الألباب"، وقال ابن القيم رحمه الله"إذا ظهر الزنا والربا في قرية أُذن بهلاكها"فبدأت المحن تتوالى والمصائب تتابع من جرّاء التعامل بالربا .

قال ابن عباس رضي الله عنهما"من كان مقيمًا على الربا لا ينزع منه فحُق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلاّ ضرب عنقه"وصدق رضي الله عنه ، فالربا على شاكلة الزنا ، فمن هو الذي يستطيع أن يزني أمام الناس جهرة وعلانية ، ومن هو الذي يقر على نفسه بالزنا ثمّ لا يرجم ولا يجلد ، فالربا كذلك من أعلن التعامل به أو علم عنه ذلك ، فحقٌ على المسلمين هجره تأديبًا وزجرًا ، وواجب على وليّ الأمر تأديبه وتعزيره عنوة وقهرًا ، حتى يعود إلى صوابه ويراجع دينه ويتوب إلى ربه ويعود عن غيّه وزيغه .

أيها المرابي .. يا من تتعامل بالربا: اتق الله ، واجعل بينك وبين عذاب الله وقاية ، واحذر من مكر الله ، فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ، استعمل عقلك وحكم دينك وشرع نبيك ، الذي قال:"إنه أتاني الليلة آتيان ، وإنهما قالا لي ، انطلق ، وإني انطلقت معهما ، .. فانطلقنا فأتينا على نهر قال أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة ، فيفغر له فاه ، فيلقمه حجرًا فينطلق فيسبح ، ثم يرجع إليه ، كلمّا رجع إليه فغر له فاه ، فألقمه حجرًا ، قلت لهما: ما هذان ؟ قالا لي: انطلق انطلق ، إلى أن قال: فإني رأيت الليلة عجبًا ؟ فما هذا الذي رأيت ؟ قالا لي: أما إنا سنخبرك . أماّ الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ، ويلقم الحجارة ، فإنه آكل الربا" ( رواه البخاري ) .

وهذا عذاب أهل الربا في القبور إلى يوم البعث والنشور وذلك تنكيلًا لهم ومدًّا للعذاب ، لاعتراضهم على الله في حكمه ، فالله يقول:"وأحلّ الله البيع وحرّم الربا"، وهم يقولون: البيع مثل الربا ، فاعترضوا على الله في حكمه ورفضوا شرعه ، مع علمهم بتفريق الله بين البيع والربا ، وهو سبحانه العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون ، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده وما يضرهم . ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:"وكل ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين ، وأول ربًا أضع ربا العباس".

عباد الله: للربا صور عديدة ، ، وأشكالاٍ كثيرة ، حري بكل مؤمن أن يسعى جاهدًا لمعرفتها ، وكشف حقيقتها حتى لا يقع في هذا الجرم العظيم ، والخطر الجسيم ، فمن صور الربا المتداولة بين الناس اليوم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل:

فمن صور الربا: أن يشتري الرجل سلعة بثمن مؤجل من شخص أو بنك أو معرض ، ثم يبيعها عليه بثمن حال أقل من ثمنها المؤجل قبل أن يسدد قيمتها كاملة ، فهذه حيلة على الربا ، يتحايلون على الله كما يتحايلون على الصبيان ( وهذا يسمّى بيع العينة ) . قال عليه الصلاة والسلام:"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد ، سلط الله ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" ( رواه أبو داود وهو حديث صحيح بمجموع طرقه السلسة الصحيحة ) .

ولماّ سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن مثل هذه المعاملة قال: هذا حرام ، حرمه الله ورسوله . بل أخبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من فعل ذلك من الصحابة جاهلًا بأنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب .

ومن صور الربا: أن يستدين مبلغًا من المال على أن يعيده بزيادة ، سواءً كان المتعامل معه شخصًا أو شركة أو بنكًا أو غيرها ، فتلك المعاملة ربًا ، والربا حرام .

ومن صور الربا: أن يستبدل ذهبًا قديمًا بذهب جديد ويدفع الفرق بينهما وهذا عين الربا ، والمعاملة الصحيحة في ذلك: أن يبيع ذهبه القديم ويقبض ثمنه ، ثم يشتري ذهبًا جديدًا بثمن القديم ولو زاد نقودًا من عنده بعد ذلك .

ومن صور الربا: أن يشتري ذهبًا حالًا بثمن مؤجل ، فهذا ربا محرم التعامل به ، ولا تجوز المحاباة فيه لا لقريب ولا لصديق ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولو كان أقرب قريب .

ومن صور الربا: قلب الدين على المعسر ، وهذا هو ربا الجاهلية وذلك أنه إذا حل الدين ولم يكن عنده سداد ، زيد عليه الدين بكميّات ونسب معينة حسب التأخير وهو حرام بإجماع المسلمين .

ومن صور الربا: القرض بفائدة: وصورته أن يقرضه شيئًا ، بشرط أن يوفيه أكثر منه ، أو يدفع إليه مبلغًا من المال على أن يوفيه أكثر منه بنسب معينة ، وهو ربا صريح ، أو يقرضه مالًا على أن يعيده وشيئًا معه سواء من المال أو من غيره من الأواني وغيرها .

ومن صور الربا: الإيداع في البنوك بفائدة: وهو ما يسمّى بالودائع الثابتة إلى أجل ، فيتصرف البنك في هذه الودائع إلى تمام الأجل ، ويدفع لصاحبها فائدة ثابتة بنسبة معينة في المئة ، وهذا ربا لا شك فيه ، ولا ريب فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت