فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 1226

فلما جاء الإسلام بعقيدة التوحيد الخالصة لله ، وأشرقت أنوارها في جميع أصقاع المعمورة ، حررت القلوب من رق العبودية لغير الله ، ورفعت النفوس إلى قمم العز والشموخ ، وسمت بالعقول عن بؤر المال وحبه ، وعلت بالقلوب عن مستنقعات المال الحرام . كيف لا وعقيدة المسلم أعز شيء عنده ، وأغلى شيء لديه ، بها يواجه أعتى التحديات ، وبها يصبر على الابتلاءات ، وبها يترك الإغراءات ، ويقاوم موجات القلق والأرق ، والاكتئاب النفسي والاضطرابات ، وبها يقيم سدًا منيعًا ، ودرعًا متينًا أما زحف المال الحرام ، والغزو الفكري والعقدي ، ويحذر من بضاعة اليهود الحاقدين ، أكلة الربا المغرضين ، من هنا كانت أنبل معارك العقيدة ، تحرير العقول الإنسانية من كل ما يصادم الفطر ، ويصادر الفكر ، ويغتال المبادئ والقيم .

لقد حد الله سبحانه وتعالى لعباده حدودًا من تعداها وتخطاها إلى غيرها وقع في الحرام وأدى بنفسه للهلاك والدمار ، وعرض نفسه للعذاب والعقاب ، ففي تعدي حدود الله ظلم للنفس البشرية ، ومعصية لرب البرية ، وهذا من أشد أنواع الظلم ، ظلم الإنسان لنفسه ، إذ كيف بإنسان وهبه الله عقلًا وحكمة وعلمًا وخط له خطوطًا ، وأرسل له رسلًا ، وأنزل له كتبًا ، فتبين له الحق من الباطل ، ثم يصر على المعصية وفعل الذنب ، واقتراف الصغيرة والكبيرة ، فمن تعدى حدود الله ، وانتهك محارمه غير مراع لأمر ولا نهي ، فقد أعد الله له من العقوبة جزاءً وفاقًا و { إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون } ، ولقد جاء الكتاب العزيز ، مرغبًا في الخير ، ومرهبًا من الشر ، آمرًا بالمعروف ، وناهيًا عن المنكر ، فيه وعد ووعيد ، وتخويف وتهديد ، فيه الأوامر والنواهي ، فنأى بأتباعه عن أوهام الجاهلية ، وطهر نفوسهم من رجز الوثنية ، وابتعد بهم عن براثن الإسفاف ، وبؤر الاستخفاف في كل صوره وأنماطه ، ويأتي في طليعة ذلك ( جريمة الربا ) لما يمثله من طعنة نافذة في صميم العقيدة ، وشرخ خطير في صرح التوحيد ، وتمزق مزر يضعف القوة ، ويذهب العزة ، ويجلب الانتكاسة ، وسوء الخاتمة ، ويلحق الهزائم ، ويقضي على العزائم ، فتقع الاضطرابات في المجتمع ، وتحصل الفوضى في الأمة ، فتغرق سفينتها في مهاوي العدم والردى ، ولذا فقد نهى الشارع الكريم عن ( الربا ) في محكم التنزيل ، وحذر من عاقبته السيئة ونهايته المؤلمة فقال الله تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربا } ، فالربا حرام كله ، كثيره وقليله ، بجميع أشكاله وأنواعه ، وصوره ومسمياته ، ولم يأذن الله في كتابه العزيز بحرب أحد إلا أهل الربا ، فالناظر على مستوى الأفراد والدول يجد مدى الخراب والدمار الذي خلفه التعامل بالربا من الإفلاس والكساد والركود ، والعجز عن تسديد الديون ، وشلل في الاقتصاد ، وارتفاع مستوى البطالة ، وانهيار الكثير من الشركات والمؤسسات ، وجعل الأموال الطائلة تتركز في أيدي قلة من الناس ، فأصبح ناتج الكدح اليومي يصب في خانة تسديد الربا ، ولعل هذا شيء من صور الحرب التي توعد الله بها المتعاملين بالربا فقال جل وعلا: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } إنها بضاعة مزجاة ، وتجارة كاسدة ، وحرب خاسرة مع الله تعالى ، حرب لا تجدي فيها السفن ولا الطائرات ، ولا تنفع فيها القنابل ولا الدبابات ، فهي مع خالق الأرض والسموات ، الذي يقول للشيء كن فيكون ، فكيف يخوض عبد ضعيف لا حول له ولا قوة حربًا ضروسًا مع من له جنود السموات والأرض ، وله جنود لا يعلمها إلا هو ، إنها حرب غير متكافئة من أقدم عليها من البشر فقد أهلك نفسه وأذاقها ألم العذاب ومرارة العقاب ، وضنك العيش في الدنيا والآخرة

فكم نرى ونسمع عن أهل الربا وآكليه والمتعاملين به وما حل بهم من جنود الله عز وجل فالسرطان وأمراض الشرايين والذبحة الصدرية وموت الفجأة من جنود الله { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ، وقال تعالى { ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليمًا حكيمًا } ، واستمعوا لعظمة جندي من جنود الله تعالى ، أخبر عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقال: [ أُذن لي أن أُحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش ، ما بين شحمة أُذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة ] ( رواه أبو داود وغيره وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة ) ، سبحان الله العظيم ، إذا كان هذا ملك من ملائكة الرحمن عز وجل ، وخلق من خلقه ، وعبد من عباده ، فكيف بالخالق تعالى وتقدس ، يقول الله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ، ويقول تعالى: { فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب } ويوم القيامة يقال لآكل الربا خذ سلاحك واستعد للحرب مع الله ، استعد لخوض غمار الحرب مع من بيده ملكوت كل شيء ، مع من له جنود السموات والأرض ، وما يفعل ذلك الإنسان صاحب اللحم والعظم في مثل ذلك الموقف الرهيب العصيب ولكن { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم .

معاشر المسلمين: لقد شبه الله عز وجل آكل الربا بالمجنون والمصروع عندما يخرج من قبره إلى محشره فهو يتخبط في الأرض لا يدري ما الخطب ولا يعلم ما الأمر كما كان يتخبط في مال الله بغير حق ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) فأكلة الربا يقومون ويسقطون كما يقوم المصروع لأنهم أكلوا الأموال ربًا وحرامًا في الدنيا ، فانتفخت به بطونهم حتى أثقلتهم عن الخروج من قبورهم يوم القيامة فكلما أرادوا النهوض سقطوا ، يريدون الإسراع مع الناس فلا يستطيعون . قال صلى الله عليه وسلم: [ إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ] ( رواه البخاري ) ، ولكن وللأسف: ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) ، وقال صلى الله عليه وسلم: [ كل جسد نبت من السحت فالنار أولى به ] ( رواه البخاري ) فالمال الحرام سبب لدخول النيران ، والبعد عن الجنان ، فقد جاء في الحديث عند الترمذي [ لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام ] ، فأكل المال الحرام من ربًا وغيره من أعظم موانع الدعاء ، ألا ترى آكل الربا يدعو ليلًا ونهارًا فلا يستجاب له ، تتراكم عليه المصائب والمحن ، فلا يستجاب له ، إنه مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا } وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء ، يارب يارب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له ] ( رواه مسلم ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت